شرح
وفي خبر آخر : رسول الله صلَّى الله عليه وآله أفضل الراسخين في العلم قد علَّمه الله جميع ما أنزل عليه من التنزيل والتأويل وما كان الله لينزل عليه شيئا لم يعلمه تأويله ، وأوصياؤه من بعده يعلمونه كلَّه ( 1 ) . فكيف يكون الراسخون هم الذين أقرّوا بجملة ما جهلوا تفسيره ولم يعلموا تأويله .
قلت : الرسوخ ليس مرتبة واحدة هي تقليد ظواهر الشريعة واعتقاد حقيقتها فقط بل تقليدها مرتبة أولى من مراتب الرسوخ ، ومن وراءها مراتب غير متناهية بحسب مراتب السلوك وقوّة السالكين كما نصّ عليه بعض المحقّقين من أصحابنا .
فالراسخون : الذين أشار إليهم أمير المؤمنين صلوات الله عليه هم الواقفون في المرتبة الأولى وهم الذين اقتصروا على ما وقفتهم الشريعة عليه على سبيل الجملة ( 2 ) .
والراسخون في قول الصادق عليه السّلام : « نحن الراسخون في العلم ونحن نعلم تأويله » هم الواصلون إلى أقصى مراتب الرسوخ ( 3 ) كما دلّ عليه ما في الخبر الآخر رسول الله صلَّى الله عليه وآله أفضل الراسخين ( 4 ) ، ووقع الإنكار على من ادّعى هذه المرتبة في قول أمير المؤمنين عليه السّلام من خطبة أخرى « أين الذين زعموا أنّهم الراسخون في العلم دوننا كذبا وبغيا » ( 5 ) .
ومن هنا يظهر سرّ جواز الوجهين في تلاوة الآية من الوقوف على قوله تعالى :
« وما يعلم تأويله إلا الله » ( 6 ) ووصله بقوله : « والرّاسخون في العلم » ( 7 ) فإن وقفت كان المراد بالراسخين جميع الراسخين على مراتبهم ، وإن وصلت كان المراد بهم العالمين بتأويله ، فيكون قوله : « يقولون » على الأوّل خبرا وعلى الثاني استئنافا موضحا لحال الراسخين أو حالا منهم يتضمّن المدح لهم بالتصديق به مع العلم بتأويله والله أعلم .
هامش
( 1 ) الكافي : ج 1 ، ص 213 ، ح 2 .
( 2 ) شرح نهج البلاغة لابن ميثم : ج 2 ص 335 .
( 3 ) و ( 4 ) الكافي : ج 1 ص 213 ح 1 و 2 .
( 5 ) نهج البلاغة : ص 201 ، الخطب 144 .
( 6 ) و ( 7 ) سورة آل عمران : الآية 7 .