شرح
والثاني : وهو الذي يكشف لهم آخر الحال من قبيل المحكمات ( 1 ) انتهى .
وأنا أقول وها هنا سبب أقوى من ذلك أيضا وهو أنّ في القرآن المجيد من الأسرار الإلهيّة والمعارف الربانيّة ما لا يحتمله كلّ عقل ولا ينشرح له كلّ صدر ، فلو كان القرآن كلَّه محكما ظاهرا لضلّ كثير من العقول وزاغ كثير من القلوب ولكن جعل بعضه محكما وهو ما تشترك العقول على تفاوت مراتبها في احتماله وتتّفق القلوب على قبوله وبعضه متشابها موكولا علمه إلى أهله ، وهم أهل الذكر المأمور بسؤالهم في قوله تعالى : « فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون » ( 2 ) ليبيّنوا للنّاس معناه ويوضّحوا لهم مقاصده على مقادير عقولهم وحسب مقاماتهم وتفاوت مراتبهم فيرشدون إلى كل مقام أهله ويخفونه عن غير أهله إذ كانوا أطبّاء النفوس وكما أنّ الطبيب يرى أنّ بعض الأدوية ترياق وشفاء وذلك الدواء بعينه لشخص آخر سمّ وهلاك كذلك كتاب الله تعالى والموضّحون لمقاصده من الأنبياء والأوصياء يرون أنّ بعض الأسرار الإلهيّة شفاء لبعض الصدور فيلقونها إليهم وربّما كان تلك الأسرار بأعيانها لغير أهلها سببا لضلالهم وكفرهم إذا ألقيت إليهم ولذلك قال صلَّى الله عليه وآله « أمرت أن أكلَّم الناس على قدر عقولهم » ( 3 ) وهذا أقوى الأسباب في جعل بعض القرآن محكما وبعضه متشابها والله أعلم .
الثالث : في قوله عليه السّلام : « ويفزع إلى الإقرار بمتشابهه » تلميح إلى قوله تعالى : « فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتّبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والرّاسخون في العلم يقولون آمنّا به كلّ من عند ربّنا » ( 4 ) ، فغرضه عليه السّلام أن يجعله من الرّاسخين في العلم الذين يقولون آمنّا به أي بمتشابهه وهو معنى الإقرار به .
هامش
( 1 ) تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان : ج 1 ص 299 .
( 2 ) سورة النحل : الآية 43 .
( 3 ) الكافي : ج 1 ص 23 ح 15 .
( 4 ) سورة آل عمران : الآية 7 .