شرح
الجهة يحتجّ بقوله : « يخافون ربّهم من فوقهم » ( 1 ) ، والنّافي لها يبرهن بقوله : « ليس كمثله شيء » ( 2 ) ، فكلّ منهم يسمّى الآيات الموافقة لمذهبه محكمة والمخالفة له متشابهة ، وربما آل الأمر في ترجيح بعضها على بعض إلى وجوه ضعيفة وتراجيح خفيّة ، وهذا لا يليق بالحكمة مع أنّه لو جعله كلَّه واضحا جليّا ظاهرا خالصا عن المتشابه نقيّا كان أقرب إلى حصول الغرض .
وأجاب الزمخشريّ : بأنّه لو كان كلّ القرآن محكما لتعلَّق الناس به لسهولة مأخذه ولأعرضوا عمّا يحتاجون فيه إلى الفحص والتأمل من النظر والاستدلال ، ولو فعلوا ذلك لعطَّلوا الطريق الذي لا يتوصّل إلى معرفة الله وتوحيده إلا به ولما في المتشابه من الابتلاء والتمييز ( 3 ) بين الثابت على الحق والمتزلزل فيه ولما في تقادح العلماء وإتعابهم القرائح في استخراج معانيه وردّه إلى المحكم من الفوائد الجليّة والعلوم الجمّة ونيل الدرجات عند الله ولأنّ المؤمن المعتقد أن لا مناقضة في كلام الله ولا اختلاف إذا ما رأى ما يتناقض في ظاهره وأهمّه طلب ما يوفق بينه ويجريه على سنن واحد ففكّر وراجع نفسه وغيره ففتح الله عليه وتبيّن مطابقة المتشابه المحكم ازداد طمأنينة إلى معتقده وقوّة في إيقانه ( 4 ) انتهى .
قال النيسابوريّ : وهاهنا سبب أقوى وهو أنّ القرآن كتاب مشتمل على دعوة الخواص والعوام وطباع العامّة تنبو في الأغلب عن إدراك الحقائق فمن سمع منه في أوّل الأمر إثبات موجود ليس بجسم ولا متحيز ولا مشار إليه ظنّ أنّ هذا عدم ونفي ووقع في التعطيل فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالَّة على بعض ما توهّموه وتخيّلوه مخلوطا بما يدلّ على الحقّ الصريح .
فالأول : وهو الذي يخاطب به في أوّل الأمر من باب المتشابهات .
هامش
( 1 ) النحل : الآية 50 .
( 2 ) الشورى : الآية 11 .
( 3 ) " الف " : التميز .
( 4 ) تفسير الكشاف : ج 1 ، ص 338 .