شرح
وإنّما قال : « كثر عليّ » ولم يقل : « عندي » كما قال في الفقرة الأولى ، لأنّ ما يؤبه ( 1 ) من المعصية أمر يكرهه ويستثقله ، فجاء ب « على » إيذانا بأنّه قد علاه وبهظه ثقله .
قال ابن جنّي : تستعمل « على » في الأفعال الشّاقّة المستثقلة ، من حيث كانت كلفا ومشاقّ تخفض الإنسان وتضعه وتعلوه وتتقرّعه ( 2 ) ، تقول : قد سرنا عشرا ، وبقيت علينا ليلتان ، وكذلك يقال في الاعتداد على الإنسان بذنوبه ، وقبح أفعاله ( 3 ) . انتهى .
وباء بذنبه يبوء بوءا : أي احتمله ، وقيل : اعترف به ، وقيل : ثقل به ، وقيل :
رجع به .
وقال الفارابيّ في ديوان الأدب : باء بإثمه : أي احتمله ، وباؤا بغضب : أي رجعوا ، وباء بحقه : أي أقرّ .
فإن قلت : كيف فصل قوله : « قلّ عندي ما أعتدّ به من طاعتك » ولم يعطفه على ما قبله ؟ قلت : يحتمل أن يكون فصله للاستئناف على وجه التعليل ، كأنّه سئل : كيف خرجت من يدك أسباب الوصلات ، وتقطعت عنك عصم الآمال ؟ فقال : لأنّه قلّ عندي ما أعتدّ به من طاعتك ، وكثر عليّ ما أبوء به من معصيتك ، ويحتمل أن يكون فصله لأنّه بصدد تعداد أحواله .
قوله عليه السّلام : « ولن يضيق عليك عفو عن عبدك » . الواو : عاطفة ، أو للاستئناف ، ولا يتوهّم أنّها للحال ، فإنّ الجملة الحاليّة لا تصدّر بدليل استقبال .
و « لن » لنفي المستقبل ك « لا » غير أنّ النّفي بها أبلغ من النفي ب « لا » ، فهي لتأكيد
هامش
( 1 ) " ألف " ما ينويه .
( 2 ) " ألف " تتفرغه .
( 3 ) لسان العرب : ج 15 ص 88 نقلا عن ابن جني مع تقديم وتأخير .