قلّ عندي ما أعتدّ به من طاعتك ، وكثر عليّ ما أبوء به من معصيتك ، ولن يضيق عليك عفو عن عبدك وإن أساء ، فاعف عنّي .
شرح
الفارابيّ في ديوان الأدب : العصمة : الحبل ، قال الله تعالى « ولا تُمْسِكُوا بعصَم الكوافر ( 1 ) .
وفي الكشّاف : العصمة : ما يعتصم به من عقد وسبب ( 2 ) . انتهى .
وأصله من العَصْم ، وهو المنع ، يقال : عصمه الله ، أي : منعه ووقاه ، واعتصم بالله : امتنع . وإنّما سمّي الحبل ونحوه عصمة ، لأنّ المتمسّك به يعتصم به من السقوط ونحوه .
وقوله : « إلا ما أنا معتصم به من عفوك » أي : من رجاء عفوك .
والكلام في الفقرتين استعارة ، والغرض التبرّي من جميع الوسائل التي يتوصّل بها إلى الله سبحانه من الطاعات والأعمال الصالحة ، والتمسّك بمحض رجاء رحمة الله تعالى وعفوه ، إيذانا بعدم اتّكاله واعتماده عليه السّلام على شيء من ذلك سوى رحمة ربّه ، ورجاء عفوه عملا بمقتضى الحديث القدسيّ المقدّم ذكره . والله أعلم بمقاصد أوليائه .
قد يكون المراد بالقلَّة ضدّ الكثرة ، وقد يكون المراد بها العدم ، فإنّهم كثيرا ما يعبّرون بالقلَّة عن العدم ، ومنه حديث « كان صلَّى الله عليه وآله يقلّ اللغو » ( 3 ) ، أي لا يلغو أصلا ، وعليه حمل قوله تعالى : فَقلِيْلا مَا يُؤْمنُونَ ( 4 ) ، أي لا إيمان لهم أصلا ، وهو المراد هنا ، لدلالة ما قبله وما بعده عليه .
واعتددت بالشيء - على افتعلت - : أدخلته في العدّ والحساب ، فهو معتدّ به ، محسوب غير ساقط .
هامش
( 1 ) ديوان الأدب : ج 1 ص 201 .
( 2 ) تفسير الكشاف : ج 4 ص 518 .
( 3 ) النهاية لابن الأثير : ج 4 ص 104 .
( 4 ) سورة البقرة : الآية 88 .