تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين ( ع ) — صفحة 347

مساهمون:

ص٣٤٧
« وانصب الموت بين أيدينا نصبا ، ولا تجعل ذكرنا له غبّا ، واجعل
شرح
لم يكن فيه إلا نسيان الآخرة الذي أشار أمير المؤمنين عليه السّلام إليه بقوله : « وأمّا طول الأمل فينسي الآخرة » ( 1 ) لكفى . وبيانه : أن طول الأمل توقّع الأمور المحبوبة الدنيويّة توجب دوام ملاحظتها . ودوام ملاحظتها مستلزم لدوام إعراض النفس عن ملاحظة أحوال الآخرة . وهو مستعقب لانمحاء تصوّرها في الذهن . وذلك معنى النسيان لها . وبه يكون الهلاك السرمديّ والشقاء الأبديّ نعوذ بالله من ذلك . قال بعضهم : وسبب طول الأمل هو حبّ الدنيا ، فإنّ الإنسان إذا أنس بها وبلذاتها ثقل عليه مفارقتها ، وأحبّ دوامها ، فلا يتفكّر في الموت الذي هو سبب مفارقتها ، فإنّ من أحبّ شيئا كره الفكر فيما يزيله ويبطله ، فلا يزال يمنّي نفسه البقاء في الدنيا ، ويقدر حصول ما يحتاج إليه من أهل ومال وأدوات وأسباب ، ويصير فكره مستغرقا في ذلك ، فلا يخطر الموت بباله ، وإن خطر بخاطره الموت والتوبة والإقبال على الأعمال الأخرويّة أخّر ذلك من يوم إلى يوم ، ومن شهر إلى شهر ، ومن عام إلى عام . وقال : إلى أن اكتهل ويزول سنّ الشباب . فإذا اكتهل قال : إلى أن أصير شيخنا . فإذا شاخ قال : إلى أن أتمّ عمارة هذه الدار ، وأزوّج ولدي فلانا ، أو إلى أن أعود من هذا السفر ، وهكذا يسوّف التوبة . كلَّما فرغ من شغل عرض له شغل ، بل أشغال ، حتى يختطفه الموت وهو غافل عنه ، غير مستعدّ له ، مستغرق القلب في أمور الدنيا ، فتطول في الآخرة حسرته ، وتكثر ندامته ، وذلك هو الخسران المبين ( 2 ) . نعوذ بالله منه . نصبت الشيء نصبا - من باب ضرب - أقمته . ونصب الموت بين اليدين عبارة عن جعله على ذكر بحيث لا يغيب عن الذهن لحظة . وهو تمثيل بحال ما ينصب أمام
هامش
( 1 ) الكافي : ج 2 ص 325 ح 3 . ( 2 ) سراج القلوب بهامش قوت القلوب : ج 1 ص 175 - 176 . مع اختلاف يسير .