ثمّ قني ما يوجب له حكمك ، وخلَّصني ممّا يحكم به عدلك ، فإنّ قوّتي لا تستقلّ بنقمتك ، وإنّ طاقتي لا تنهض بسخطك ، فإنّك ان تكافني بالحقّ تهلكني ، وإلا تغمّدني برحمتك توبقني .
شرح
وفائدة هذا القيد الاحتراز عن إيفائه حقّه بمقاصّته من حسناته .
كما ورد في الحديث : إنّ الله يقتص من حسنات الظالم ، ويعطيها المظلوم بإزاء حقّه ( 1 ) . والله أعلم * .
لمّا كان ظلم العباد يتضمّن محظورين : أحدهما : الذهاب بحقّ الخلق .
الثاني : معصية الخالق بعدم الاجتناب لما نهى عنه ، والتعدي لحكمه سبحانه .
وكان كلّ منهما يقتضي مكافاة وجزاء مستقلا برأسه ، ويوجب عقوبة ومؤاخذة على حدة . سأل عليه السّلام أوّلا إسقاط حقّ خصمه ، وإرضاءه عنه ، ثمّ التجاوز عمّا يوجبه التعدّي لحكمه تعالى . وإنّما قدّم الأوّل وعقّبه بالثاني لأنّ حقوق العباد مبناها على الضنّة والضيق ، وحقوق الله تعالى مبناها على المسامحة . ولذلك جاء بكلمة التراخي إيذانا بفرط رحمته ومسامحته في حقوقه . وعن ذلك قدّم الفقهاء عند تزاحم الحقوق حقوق العباد على حقوق الله الغنيّ الحميد .
وعلى هذا فاللام من قوله : « يوجب له » تعليليّة ، والضمير عائد إلى الظلم ، أي ما يوجب لأجل الظلم حكمك . ويجوز أن تكون اللام للتأكيد ، وهي المعترضة بين الفعل المتعدّي ومفعوله . كقوله :
وملكت ما بين العراق ويثرب * ملكا أجار لمسلم ومعاهد ( 2 )
وعليه : حمل المبرّد ( 3 ) والزمخشريّ قوله تعالى : ردفَ لكم ( 4 ) والأصل ردفكم . قال في الكشّاف : زيدت الَّلام للتأكيد نحو قوله تعالى : وَلا تلقُوا
هامش
( 1 ) لم نعثر على نصه بل ورد بمضمونه في عقاب الأعمال : ص 333 .
( 2 ) و ( 3 ) مغني اللبيب : ص 285 .
( 4 ) سورة النمل : الآية 72 .