ولو كافأت المطيع على ما أنت تولَّيته ، لأوشك أن يفقد ثوابك ، وأن تزول عنه نعمتك ، ولكنّك بكرمك جازيته على المدّة القصيرة الفانية ، بالمدّة الطويلة الخالدة ، وعلى الغاية القريبة الزائلة ، بالغاية المديدة الباقية .
شرح
أن تكون استئنافا ثانيا - كالأولى - على وجه التعليل لبيان كرمه في معاملة من أطاعه أو عصاه .
ولا يخفى ما في التعبير عن الشكر والإملاء بصيغة المضارع المؤذنة بالاستمرار ، وعن الإعطاء والتفضّل بصيغة الماضي الدالَّة على الوقوع والانقضاء من اللطف ، فإنّه يؤذن بأنّ الشكر والإملاء مستمرّان ، وأنّ التفضّل والإعطاء قد جرى بهما قلم القضاء ، فلا مثنويّة ( 1 ) في ذلك وهكذا فليكن حسن البيان .
المكافأة : مفاعلة من الكفؤ وهو المثل والمساوي ، فأصل كافأته : ساويته . ثم اتّسع فيه فاستعمل بمعنى المجازاة .
قال الزمخشريّ في الأساس : كافأته ساويته ، وهو مكافئ له . وكافأته بصنعه :
جازيته جزاء مكافئا لما صنع ، أي مساويا له ( 2 ) .
ولمّا كان ما تولاه سبحانه لا يقتضي مكافأة بالثواب عليه ، لأنّ الإنسان لا يستحقّ بعمل غيره ثوابا ، كان معنى المكافأة عليه عدم الإثابة به ، لأنّ معنى المكافأة : المساواة بمقابلة الفعل بالفعل ، وعدمه بعدمه .
فمعنى قوله عليه السّلام « لو كافأت المطيع على ما أنت تولَّيته » : لو لم تثبه على ما أنت تولَّيته ، بل كافأته عليه بعدم الإثابة عليه لعدم قيامه به ، وصدوره عنه لأوشك أن يفقد ( 3 ) ثوابك .
هامش
( 1 ) هكذا في النسخ ، والصحيح ظاهرا المثوبة .
( 2 ) أساس البلاغة : ص 546 .
( 3 ) " ألف " : يفتقد .