ضلَّت فيك الصّفات ، وتفسّخت دونك النّعوت ، وحارت في
شرح
« وهو الذي يبدؤا الخلق ثمّ يعيده وهو أهون عليه » ( 1 ) ، أي بالإضافة إلى نظركم وقياسكم من أنّ الإعادة أهون من الإبداء ، وإلا فهما عليه سواء ، لا تفاوت في قدرته القاهرة عليهما حتّى يقع التفضيل على حدّه . ومثله قوله تعالى : « لَخلقُ السَّمواتِ وَالأَرْضِ أَكبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ » ( 2 ) أي بالإضافة إلى عقول البشر ، وإذعانها بأنّها خلق عظيم ، لا يقادر ( 3 ) قدره ، وخلق الناس بالقياس إليه شيء قليل مهين ، وإلا فالخلقان عند قدرته عزّ وجلّ على حدّ سواء .
إذا عرفت ذلك ، فالمراد ب « أدنى ما استأثرت به من ذلك » قدرته المتعلَّقة بأدنى مقدوراته عند بديهة العقل ، كالبعوضة مثلا ، فإنّ في خلقها من العجائب والغرائب والإعجاز ما تقصر عن معرفة الطريق إليه أرباب الألباب ، وتتحيّر في كيفيّته حكمة الحكماء ، وتتناهى دون علم ذلك عقول العقلاء ، وترجع خاسئة حسيرة ، معترفة بالعجز عن الاطلاع على كنه صنعه في إنشائها ، مقرّة بالقصور عن نعت حقيقة إيجادها وتكوينها . وإلى هذا المعنى يشير قول أمير المؤمنين عليه السّلام ، في خطبة له :
« سبحانك ما أعظم ما نرى من خلقك ، وما أصغر عظيمة في جنب قدرتك ، وما أهول ما نرى من ملكوتك ، وما أحقر ذلك فيما غاب عنّا من سلطانك ( 4 ) .
أي بالقياس إلى ما تعتبره العقول من مقدوراته تعالى ، وما يمكن في كمال قدرته من الممكنات الغير المتناهية . والله أعلم .
ضلّ الرجل يضلّ - من باب ضرب - ضلالا وضلالة : عدل عن الطريق ، فلم يهتد إليه . والضلال في الدين : العدول عن الحق . ولم يعطف الجملة على ما قبلها لما بينهما من كمال الاتّصال لكونها مؤكّدة للأولى ، ويحتمل الاستيناف البيانيّ .
وتفسّخت الفأرة في الماء : تقطعت . وتفسّخ الفصيل تحت الحمل الثقيل :
هامش
( 1 ) سورة الروم : الآية 27 .
( 2 ) سورة غافر : الآية 57 .
( 3 ) " الف " بقادر .
( 4 ) نهج البلاغة : ص 158 - 159 ، الخطبة ، 109 .