ملكك علوّا سقطت الأشياء دون بلوغ أمده ، ولا يبلغ أدنى ما استأثرت به من ذلك أقصى نعت النّاعتين .
شرح
والحدّ : مصدر حدّ الشيء حدّا ، إذا ميّزه بغاية ينتهي إليها .
والمراد بالأوّليّة والآخريّة : الابتداء والانتهاء ، فإنّ ياء النسبة إذا لحقت آخر الاسم ، وبعدها تاء التأنيث أفادت معنى المصدر ، نحو الانسانيّة .
الباء : للملابسة في الموضعين ، أي : لا حدّ له ملتبسا بأوّليّة ، ولا منتهى له ملتبسا بآخريّة .
والمعنى : أنّه لا أوّل له ، هو مبدأه ، ولا آخر له يقف عنده ، وينتهي إليه ، بل هو دائم سرمديّ ، لأنّه ممتنع العدم دائما كما عرفت . وكلّ ما امتنع عدمه كان سرمديّا ضرورة ، أي لا أوّل له ولا آخر .
وعزّ سلطانه - جلّ شأنه - عبارة عن تمام قدرته الباهرة ، وكمال غلبته القاهرة ، وذلك عين ذاته المقدّسة ، ولذلك وصفه بالسرمديّة .
واستعلى الشيء علا ، أي ارتفع . فالاستفعال هنا بمعنى الفعل .
وعلَّوا : مصدر جار على غير الفعل ، فهو نائب عن « استعلاء » ، نحو : « والله أنبتكم من الأرض نباتا » ( 1 ) و « تبتّل إليه تبتيلا » ( 2 ) .
واستعلاء ملكه تعالى : عبارة عن عظمته ، باعتبار كمال اقتداره ، وتمام استيلائه على مخلوقاته .
ولمّا كانت ذاته المقدّسة هي مبدء كلّ موجود حسّيّ وعقليّ ، وعلَّته التامّة المطلقة التي لا يتصوّر فيها نقصان بوجه ، وكان أعلى مراتب الكمال العقليّ هو مرتبة العليّة كان المراد بعلوّه تعالى العلوّ العقليّ المطلق ، بمعنى أنّه لا رتبة فوق رتبته .
فكانت مرتبة ملكه واقتداره ، الذي هو عين ذاته المقدّسة ، أعلى المراتب العقليّة مطلقا ، ولها الفوق المطلق في الوجود العاري عن الإضافة إلى شيء ، وعن إمكان أن
هامش
( 1 ) سورة نوح : الآية 17 .
( 2 ) سورة المزمل : الآية 8 .