فكلّ البريّة معترفة بأنّك غير ظالم لمن عاقبت ، وشاهدة بأنّك متفضّل على من عافيت ، وكلّ مقرّ على نفسه بالتّقصير عمّا استوجبت ، فلو لا أنّ الشّيطان يختدعهم عن طاعتك ما عصاك عاص ، ولولا أنّه صوّر لهم الباطل في مثال الحقّ ما ضلّ عن طريقك ضالّ .
شرح
والعفو : ترك المؤاخذة بالتقصير والذنب .
ومدار هذه الفقرات أنّ إفاضته تعالى شآبيب كرمه ، وجوده على عباده غير موقوف على الاستحقاق والاستيجاب ، بل هي شأنه وديدنه .
وفيه ردّ على من زعم أنّ الثواب مترتّب على العمل ترتّب الشبع على الأكل .
والله أعلم .
« الفاء » : سببيّة ، أي فبسبب ( 1 ) كون سنّتك الإفضال ، وعادتك الإحسان ، وسبيلك العفو ، كلّ البريّة معترفة بأنّك غير ظالم ، إلى آخره ، لجزم العقل بأنّ من شأنه ذلك لا يريد ظلما ، فضلا عن أن يوقعه .
و « كلّ » هنا لاستغراق أفراد المضاف إليه . وهو مبتدأ خبره قوله : « معترفة » .
وتأنيثه باعتبار المعنى ، أو لاكتساب المضاف التأنيث من المضاف إليه ، لصحّة الاستغناء بالمضاف إليه عن المضاف ، كما يقال : سقطت بعض أصابعه .
وفي نسخة ابن إدريس « وكلّ معترف وشاهد » وهو أحسن .
وعافاه الله : وهب له العافية من المكروه دنيويّا كان أو أخرويّا . وبين عاقبت وعافيت من البديع جناس التصحيف .
فإن قلت : كيف يصحّ هذا الاستغراق وكثير من الناس لا يعترف بوجوده فضلا عن عدله وجوده ؟ قلت : يجوز أن يكون الاستغراق عرفيّا ، فالمراد بالبريّة الموحّدون منهم ، وأن يكون
هامش
( 1 ) " ألف " : فسبب .