بل ملكت يا إلهي أمرهم قبل أن يملكوا عبادتك ، وأعددت
شرح
وإنّما قال عليه السّلام : « أمرا ملكوا استطاعة الامتناع منه دونك » ولم يقل :
ملكوا استطاعة إيجاده دونك ، للمبالغة في تحقّق عجزهم ، لأنّ من لا يملك استطاعة الامتناع من الشيء فهو عن استطاعة فعله وإيجاده أعجز . وهذا لا ينافي الاختيار كما سنبيّنه .
وأمّا قول بعضهم : معنى قوله عليه السّلام : « أمر ملكوا استطاعة الامتناع منه دونك » . أنّ لهم أن يتركوا شكرك لاستغنائهم وعلمهم بكرمك فلا ينتقص من ثوابهم شيء ، أو معناه أنت المالك للثواب ، ولك أن تثيبهم من غير شكر ، لكن لكثرة صدور هذا التفضّل منك صاروا كأنّهم مالكين لتحصيل الثواب من غير شكر ، وقادرين على ذلك ، فهو تخييل عجيب ، وتوهّم غريب ، وكأنّه أراد بهذا التأويل الذي لا يدلّ عليه منطوق الكلام ولا مفهومه ، التفادي عمّا يوهمه ظاهر العبارة من نفي اختيار العبد .
ويكفي في التفصّي عن ذلك أنّ مراده عليه السّلام عدم استطاعتهم على كفّ أنفسهم عنه بدون ما أوجده سبحانه فيهم من الحياة والآلة والعقل والهمّة إلى غير ذلك من الأسباب التي هي منه سبحانه . وفي ذلك مندوحة عن هذا التأويل البارد . والله يقول الحقّ ، وهو يهدي السبيل . وإلى إبطال الشبه المذكورة أشار عليه السّلام بقوله : ( 1 ) .
« بل » حرف إضراب ، ومعناها هنا إبطال ما قبلها من كون شكرهم أمرا ملكوا استطاعة الامتناع منه دونه تعالى ، أو لم يكن سببه بيده سبحانه ، أي ليس الأمر كذلك ، بل كنت مالكا أمرهم قبل تمكّنهم من عبادتك وإيجادهم لها .
وتوسيط النداء لمزيد الخضوع والابتهال . والغرض أنّهم لم يقدروا على عبادتك ، ولا استطاعوا فعلها إلا بإقدارك لهم عليها ، وتوفيقك إيّاهم لها ، ولو شئت ما فعلوها ،
هامش
( 1 ) أي : الدعاء المذكور في أعلى الصفحة .