تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين ( ع ) — صفحة 241

مساهمون:

ص٢٤١
شرح
الاستقلال بوجه التشبيه ، وبصحّة التشبيه بكلّ واحد منهما وبهما معا ، كقوله تعالى : أَو كصَيِّبٍ مِنَ السماء ( 1 ) . وجملة « لم يكن » - في محلّ رفع - وصف لموصوف محذوف ، والتقدير : أو أمر لم يكن سببه بيدك ، يقال : الأمر بيد فلان ، أي في تصرّفه . وحاصل معنى هذا الفصل من الدعاء أنّ إحسانه تعالى إلى عباده في مقابلة شكرهم له ، وإنعامه عليهم بإزاء طاعتهم وعبادتهم إيّاه ، إنّما هو تفضّل منه تعالى ، إذ كان إيقاع الشكر والطاعة والعبادة منهم بإقداره لهم على ذلك وتوفيقه إيّاهم له ، لأنّ كلّ فاعل سواه إنّما يستحقّ القدرة على الفعل من جوده تعالى ، لا لذاته استقلالا وتفرّدا به ، على ما علم في مظانّه . ومع ذلك فقد جعل سبحانه ثوابهم على شكره ، وجزاءهم على طاعته ثوابا واجبا وأجرا مستحقّا ، فأشبه شكرهم وطاعتهم أمرا استقلَّوا لذواتهم بالقدرة على إيجاده ، وكانوا يستطيعون أن لا يوجدوه ، وأن يمتنعوا منه ، أو أمرا استبدّوا بتسبيب سببه في إيقاعه ، فاستوجبوا بذلك الثواب ، واستحقّوا به الجزاء . وليس الأمر كذلك ، بل هو سبحانه الذي أقدرهم على ذلك ، ووفّقهم له ، وقادهم بزمام اللطف والعناية إليه . فلو أرادوا أن يمتنعوا منه ، وأن لا يفعلوه بدون ما ركّبه فيهم من الأسباب ما استطاعوا ، وكان أسباب صدوره منهم وحصوله عنهم بقدره وإعداده عزّ وجلّ ، فإنّى لهم الاستقلال والاستبداد في نسبته إليهم ؟ ومن هنا قال موسى عليه السّلام : « إلهي أمرتني بالشكر على نعمك ، وشكري إيّاك نعمة من نعمك » ( 2 ) . وعليه قوله تعالى : يَمنُّون عَليك أن أسلموا قُل لا تمنُّوا عليَّ إسلامَكُمْ بل الله يمنُّ عليْكُمْ أَن هَداكُمْ للإيمان إنْ كُنتُمْ صَادِقينَ ( 2 ) .
هامش
( 1 ) سورة البقرة : الآية 19 . ( 2 ) الذريعة إلى مكارم الشريعة : ص 140 . ( 3 ) سورة الحجرات : الآية 17 .
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين ( ع ) — صفحة 241 | السيد علي خان المدني الشيرازي / السيد محسن الحسيني الأميني