شرح
قال : إن كنت ظلوما كفورا ، فلم أزل رحيما غفورا ، لا أقابل منك التقصير إلا بالإحسان والتوفير ، ولا أجازي منك الجفاء إلا باللطف والوفاء ، تلك شيمتك في الأخذ ، وهذه شيمتي في العطاء .
وأمّا على الثاني - وهو حمل الفضل على معنى الكمال والفضيلة - فبيانه : أنّ كمال العبادة ومطابقتها للأمر المطاع بحسب العلم بكمال المعبود ، وعلوّ شأنه وعظمته . ولمّا كانت ذات الحقّ سبحانه وعظمتها وكما لها أمرا أعظم من أن يطلع عليه بالكنه ملك مقرّب أو نبيّ مرسل ، لا جرم كانت عبادة العباد من الملائكة والبشر بحسب معارفهم القاصرة عن كنه حقيقته ، لا بحسب كماله على هو كما عليه . فكلّ من كان علمه ومعرفته أتمّ وأكمل كانت عبادة من دونه مستحقرة في جنب عبادته ، حتى لو زادت معرفته به وأمكن اطلاعه على كنه حقيقته لزادت عبادته ، وكانت أتمّ وأكمل .
فإذن كلّ طاعة وعبادة قاصرة عمّا يستحقّه كماله المطلق وكلّ طائع وعابد حاجز ومقصّر عنه وإن خبّ وأعنق . وإلى هذا المعنى أشار أمير المؤمنين عليه السّلام ، بقوله في صفة الملائكة : لو عاينوا كنه ما خفي عليهم منك لحقّروا أعمالهم ، ولأزروا على أنفسهم ، وعرفوا أنهم لم يعبدوك حقّ عبادتك ، ولم يطيعوك حقّ طاعتك ( 1 ) .
وكلا المعنيين يشمله قوله تعالى ، وهو أصدق القائلين : « وما قدروا الله حقّ قدره » ( 2 ) .
فإن قلت : كيف يحمل الفضل على معنى الكمال في عبارة الدعاء ، وقد نصّ بعضهم على أن الفضل إنّما يستعمل للكمال في حقّ غير الله تعالى ؟ قلت : لا نسلَّم ذلك ، فقد تقدّم في دعاء التحميد ، وهو الدعاء الأوّل قوله
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : ص 159 الخطبة 109 .
( 2 ) سورة الأنعام : الآية 91 .