تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين ( ع ) — صفحة 235

مساهمون:

ص٢٣٥
شرح
« دون استحقاقك بفضلك » والفضل كما تقدّم ، إمّا بمعنى الإحسان أو بمعنى الكمال والفضيلة . أما على الأوّل ، فيجب أن تكون عبادة العباد وطاعتهم بقدر إحسان المعبود وفضله عليهم ، وهذا أمر ليس في طاقة أحد من البشر ، لأنّه سبحانه يستحقّ بكلّ نعمة طاعة وشكرا ، ونعمه غير محصورة كما قال : وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها ( 1 ) أي لا تقدرون على تعدادها ، لكثرتها ، بل لعدم تناهيها . فأين يقع القليل من الكثير ، والذي يتناهى من الذي لا يتناهى قال الحكيم : إذا أخذت اللقمة الواحدة لتضعها في فمك فانظر إلى ما قبلها وإلى ما بعدها ، أمّا ما قبلها فكالخبز والطحن والزرع ، وغير ذلك من الآلات المعينة ، والأسباب والفاعليّة ، والقابلية ، حتى تنتهي إلى الأفلاك والعناصر . وأمّا ما بعدها فكالقوى المعينة على الجذب والإمساك ، والهضم والدفع ، وكالأعضاء الحاملة لتلك القوى ، وكسائر الأمور النافعة في ذلك خارجة عن البدن ، أو داخلة فيه ، فإنّها لا تكاد تنحصر . وإذا كانت نعم الله تعالى في تناول لقمة واحدة تبلغ هذا المبلغ ، فكيف فيما جاوز ذلك فتبيّن أنّ العبد - وإن اشتدّ على الطاعة حرصه ، وطال في العبادة اجتهاده - لم يكن بالغا ما يستحقّه الله سبحانه منهما بفضله ونعمته عليه . فكيف بمن تطغيه النعمة ، وتبطره الدّعة حتى يستعين بنعمته على معصيته ، ويتكبّر بإحسانه على خليقته ولذلك ختم سبحانه الآية المذكورة في سورة إبراهيم عليه السّلام بقوله إنَّ الإنسان لظلومٌ كفَّارٌ ( 2 ) وفي سورة النحل بقوله : إنَّ الله لغفورٌ رحيمٌ ( 3 ) فسجّل في الأوّل بالظلم والكفران وفي الثاني باستحقاق النقمة لولا الرحمة والغفران ، فكأنّه
هامش
( 1 ) سورة إبراهيم : الآية 34 ، وسورة النحل : الآية 18 . ( 2 ) سورة إبراهيم : الآية 34 . ( 3 ) سورة النحل : الآية 18 .