شرح
ولهذا قيل : كلّ نعمة يمكن شكرها إلا نعمة الله تعالى ، فإنّ غاية شكرها الاعتراف بالعجز عنها ، وذلك أنّ شكر نعمته نعمة منه ، فيجب على العبد شكرها ، ثم يجب عليه الشكر على الشكر ، وهكذا إلى ما لا ينتهى وما لا نهاية له فنهايته في بدايته . فينبغي أن يسند العبد من الابتداء على العجز ظهره ، ويبني على الاعتراف بالتقصير أمره ، فيكون معرفة التقصير عن الشكر شكرا ، وإلا فأنّى يبلغ شكر العباد نعم الربّ الجواد وأين يقع الحالي من الأزلي ، والذي لا يبقى من الذي لا يفنى بل الجزء الذي لا يتجزى من الشيء الذي لا يتناهى .
وأين التماد ( 1 ) البرض من فيض أبحر ( 2 ) ، وأين نزيل الأرض عند الكواكب .
وفي مناجاة بعضهم : إلهي أنت تعلم عجزي عن مواقع شكرك فاشكر نفسك عنّي .
وقد فسّر العلماء قوله صلَّى الله عليه وآله لربّه تعالى وتقدّس : « قلت فكّ رهاني وثقّل ميزاني » ( 3 ) فإنّ المراد فكّ رهانه بالشكر ، فإنّ النفوس مرتهنة بالنعمة ، وإنّما يفكّها الشكر ، ولا يبلغ العباد كنه الشكر لله عزّ وجلّ ، ففزع صلَّى الله عليه وآله إلى ربّه أن يتولى فكّ رهانه بجوده وإحسانه :
إلهي لقد أحسنت عودا وبدأة * إليّ فأوزعني إلهي لأشكرا
ولو أنّ لي في كلّ منبت شعرة * لسانا يقول الشكر فيك لقصّرا
* * *
إلهي كم أسديت لي منك نعمة * وفضلا فلم ينهض بإنعامك الشكر
فمن كان ذا عذر لديك وحجة * فعذري وإقراري بأن ليس لي عذر
أمّا الثاني : - وهو بيان العجز عمّا يستحقّه سبحانه من الطاعة والعبادة - فبيّنه بذكر سبب استحقاقه للعبادة والطاعة ، وهو فضله الذي لا نهاية له حيث قال :
هامش
( 1 ) " ألف " : الثمار .
( 2 ) " ألف " : بحر .
( 3 ) الدر المنثور : ج 3 ص 72 . ذيل الآية 10 من سورة الأعراف .