فلك الحمد على ما وقيتنا من البلاء ، ولك الشّكر على ما خوّلتنا من النّعماء ، حمدا يخلَّف حمد الحامدين وراءه ، حمدا يملأ أرضه وسماءه .
شرح
والمشيئة والإرادة : بمعنى واحد بحسب اللغة ، وعند أكثر المتكلَّمين . وفرّق بعضهم بينهما ، بأنّ المشيئة من الله تقتضي وجود الشيء ، ولذلك قيل : ما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن ، والإرادة منه تعالى لا تقتضي وجود المراد لا محالة ، ألا ترى أنّه قال : « يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر » ( 1 ) ، وقال : « وَما الله يريد ظلما للعباد » ( 2 ) ، ومعلوم أنّه قد يحصل العسر والظلم فيما بين الناس .
وقال بعض المحققين : مشيئة الله عبارة عن تجلَّيه بالعناية السابقة لإيجاد المعدوم ، أو إعدام الموجود ، وإرادته عبارة عن تجلَّيه لإيجاد المعدوم ، فهي لا تتعلَّق أبدا إلا بالمعدوم ، فتكون صفة تخصص أمرا بالحصول ووجوده ، كما قال تعالى :
« إنَّما أَمرُه إذا أَراد شيئا أنْ يقولَ له كن فيكون » ( 3 ) . والمشيئة أعمّ من الإرادة من وجه ، قال : ومن تتبّع مواضع استعمالات المشيئة والإرادة في القرآن يعلم ذلك ، وإن كان بحسب اللغة يستعمل أحدهما مكان الآخر انتهى .
وعلى هذا فمفاد الفقرة الثانية أخصّ من مفاد الأولى .
والمعنى : إنّك تحكم بما شئت على من شئت ، حسب ما تشاء ، وتقضي بما أردت على من أردت حسب ما تريد ، من غير أن يوجبه عليك موجب ، أو يمنعك منه مانع .
والله أعلم .
« الفاء » : سببيّة . وتقديم الحمد على الوقاية من البلاء على الشكر على تخويل النعماء ، لما تقرّر من أنّ دفع الضرر أهم من جلب النفع ، والتخلية مقدّمة على التحلية ، وإيثار الشكر في النعماء ظاهر ، لأنّه لا يقال إلا في مقابلة نعمة .
هامش
( 1 ) سورة البقرة : الآية 185 .
( 2 ) سورة غافر : الآية 31 .
( 3 ) سورة يس : الآية 82 .