إنّك المنّان بجسيم المنن ، الوهّاب لعظيم النّعم ، القابل يسير الحمد ، الشّاكر قليل الشّكر ، المحسن المجمل ذو الطَّول ، لا إله إلا أنت ، إليك المصير .
شرح
وخلَّفت الشيء تخليفا : تركته خلفي ، أي ورائي وهو نقيض قدّام .
ووراء : نصب على الظرفيّة ، لا على أنّه مفعول ثان ليخلَّف كما توهّمه بعضهم .
وجملة « يخلَّف » - في محلّ نصب - نعت ل « حمدا » المنصوب على المفعوليّة المطلقة .
والكلام تمثيل لرجحان حمده على سائر الحمد ، وتصوير لإنافته وفضله على كلّ حمد كمّا ، وكيفا بما هو علم في الرجحان والفضل من شرف السابق المجاوز لأمثاله وأقرانه ، المخلَّف لهم وراء ظهره عليهم جميعا ، ومداره على تصوير المعقول بصورة المحسوس وإبراز الغائب عن الحس في صورة الشاهد حتّى كأنّه محسوس مشاهد .
ومثله قوله عليه السّلام « يملأ أرضه وسماءه » فإنّه تمثيل وتصوير أيضا ، لكثرة الحمد بكثرة ما يملأ الأرض والسماء .
والضمير في كلّ من أرضه وسمائه إمّا عائد إلى الله تعالى فيكون من باب الالتفات ، أو إلى الحمد ، والإضافة لأدنى ملابسة لوقوعه فيهما ( 1 ) كما قال تعالى :
« وَله الحمد في السماوات والأرض » ( 2 ) . والله أعلم
المنّان : صيغة مبالغة من المنّة ، وهي النعمة الثقيلة ، يقال : « منّ عليه » إذا أثقله بالنعمة الثقيلة ، وعلى ذلك قوله تعالى : « وَلَقد مَنَّ الله على المؤمنينَ » ( 3 ) ، وذلك في الحقيقة لا يكون إلا الله تعالى .
والجسيم في الأصل : العظيم الجسم ، وهو ما له طول وعرض وعمق ، ثمّ استعمل في المعاني أيضا .
هامش
( 1 ) " ألف " : بينهما .
( 2 ) سورة الروم : الآية 18 .
( 3 ) سورة آل عمران : الآية 164 .