شرح
وفي الدعاء إشارة إلى قوله سبحانه : « نَحنُ قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدُّنيا » ( 1 ) فانّ العدل لا يكون قسمة إلا عدلا ، ولا يتجاوز إلى إفراط وتفريط . وفي الحديث القدسي « وإنَّ من عبادي ( 2 ) لا يصلحه إلا الفقر ، ولو أغنيته لأفسده ذلك ، وإنّ من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى ، ولو افقرته لأفسده ذلك » ( 3 ) . فإغناء من لا يصلحه إلا الفقر إفراط ، وإفقار من لا يصلحه إلا الغنى تفريط ، والعدل هو ما به إصلاح كل منهما ، فثبت اتّصاف قسمته تعالى بالعدل .
قوله عليه السّلام : « وأخذ على جميع خلقه بالفضل » .
« أخذ » هنا من الأخذ بمعنى السيرة ، يقال : لو كنت منّا لأخذت بأخذنا ، أي :
سوت بسيرتنا ، ومنه الحديث « لا تقوم السّاعة حتى تأخذ أمّتي بأخذ القرون » ( 4 ) .
قال الكرماني : هو - بكسر الهمزة وفتحها - : السيرة ( 5 ) .
أي تسير أمّتي بسيرتهم . فقوله : « بالفضل » متعلَّق بأخذ . وقوله : « على جميع خلقه » متعلَّق بالفضل ، كقوله تعالى : وَلو لا فَضل الله عليكم ( 6 ) .
ولا يمنع من تعلَّقه به ما اشتهر من أنّ معمول المصدر لا يتقدّم عليه . لأنّ ذلك حيث يتقدّر بأن المصدر بأن والفعل ، لأنّه حينئذ من باب تقديم الصلة على الموصول ، وهو ممتنع ، كقولك : أعجبني عن الشرّ بعدك ، أي : أن تبعد ، فالظرف متعلَّق بعامل مقدّر يفسّره المتأخّر ، والتقدير : أعجبني بعدك عن الشرّ بعدك وأما إذا لم يقدّر المصدر بأن والفعل فيجوز تقديم معموله عليه إذا كان ظرفا وشبهه ، لانتفاء المانع نحو
هامش
( 1 ) الزخرف : الآية 32 .
( 2 ) في المصدر : من لا يصلحه .
( 3 ) الكافي : ج 2 ص 352 ج 8 مع إختلاف يسير في العبارة .
( 4 ) صحيح البخاري : ج 9 ص 126 كتاب الاعتصام باب 14 .
( 5 ) البخاري بشرح الكرماني : ج 25 ص 62 .
( 6 ) النور : الآية 10 .