شرح
فيه ، ولا موجود فيه سواه ، ثمّ أخذ يوجد الأشياء شيئا فشيئا في أجزاء اخر منه .
وهذا توهّم باطل ، وأمر محال ، فإنّ الله عزّ وجلّ ليس في زمان ، ولا في مكان ، بل هو محيط بهما ، وبما فيهما ، وما معهما ، وما تقدّمهما . قال : وتحقيق المقام يقتضي بسطا من الكلام لا تسعه العقول المشوبة بالأوهام ، ونحن نشير إلى لمعة منه لمن كان من أهله ، فنقول :
ليعلم أنّ نسبة ذاته سبحانه إلى مخلوقاته تمتنع أن تختلف بالمعيّة واللا معيّة ، وإلا فتكون بالفعل مع بعض ، وبالقوّة مع آخرين ، فتتركّب ذاته سبحانه من جهتي فعل وقوّة ، وتتغيّر صفاته حسب تغيّر المتجدّدات المتعاقبات ، تعالى عن ذلك . بل نسبة ذاته التي هي فعليّة صرفة ، وغناء محض من حيث الوجوه إلى الجميع - وإن كان من الحوادث الزمانيّة - نسبة واحدة ، ومعيّة قيّوميّة ثابتة ، غير زمانيّة ، ولا متغيّرة أصلا ، والكلّ بغنائه بقدر استعداداتها مستغنيات ، كلّ في وقته ومحلَّه ، وعلى حسب طاقته ، وإنّما فقرها وفقدها ونقصها بالقياس إلى ذواتها ، وقوابل ذواتها ، وليس هناك إمكان وقوّة البتّة . فالمكان والمكانيّات بأسرها بالنسبة إلى الله سبحانه كنقطة واحدة في معيّة الوجود « والسّموات مطويّات بيمينه » ( 1 ) ، والزمان والزمانيّات بآزالها وآبادها كآن واحد عنده في ذلك ، جفّ القلم بما هو كائن ، ما من نسمة كائنة إلا هي كائنة ، والموجودات كلَّها ، شهادياتها وغيبياتها ، كموجود واحد في الفيضان عنه ، « ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحد » ( 2 ) وإنّما التقدّم والتأخّر ، والتجدّد والتصرّم ، والحضور والغيبة ، في هذه كلَّها بقياس بعضها إلى بعض ، وفي مدارك المحبوسين في مطمورة الزمان ، المسجونين في سجن المكان ولا غير ، وإن كان هذا ممّا تستغربه الأوهام ، ويشمئزّ منه قاصر الأفهام .
هامش
( 1 ) سورة الزمر : الآية 67 .
( 2 ) سورة لقمان : الآية 28 .