تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين ( ع ) — صفحة 15

مساهمون:

ص١٥
شرح
بيان قول أمير المؤمنين صلوات الله عليه في خطبته الطالوتيّة « ولا كان خلوا عن الملك قبل إنشائه ، ولا يكون خلوا منه بعد ذهابه » ( 1 ) . ولبعض أرباب العرفان من أصحابنا تقرير آخر في بيان ذلك ، فإنّه قال : بيان ذلك وتحقيقه : أنّ المخلوقات - وإن لم تكن موجودة في الأزل لأنفسها ، وبقياس بعضها إلى بعض على أن يكون الأزل ظرفا لوجوداتها كذلك ، إلا أنّها - موجودة في الأزل لله سبحانه ، وجودا جميعا وحدانيّا غير متغيّر ، بمعنى أنّ وجوداتها اللا يزاليّة الحادثة ثابتة لله سبحانه في الأزل كذلك . وهذا كما أنّ الموجودات الذهنيّة موجودة في الخارج إذا قيّدت بقيامها بالذهن ، وإذا أطلقت من هذا القيد فلا وجود لها إلا في الذهن . فالأزل يسع القديم والحادث ، والأزمنة ، وما فيها وما خرج عنها ، وليس الأزل كالزمان وأجزائه محصورا مضيّقا ، يغيب بعضه عن بعض ، ويتقدّم جزء ويتأخّر آخر ، فإنّ الحصر والضيق والغيبة من خواص الزمان والمكان ، وما يتعلَّق بهما . والأزل : عبارة عن اللازمان السابق على الزمان سبقا غير زماني ، وليس بين الله سبحانه وبين العالم بعد مقدّر ، لأنّه إن كان موجودا يكون من العالم ، وإلا لم يكن شيئا . ولا ينسب أحدهما إلى الآخر من حيث الزمان بقبليّة ولا بعديّة ولا معيّة ، لانتفاء الزمان عن الحق ، وعن ابتداء العالم . فسقط السؤال بمتى عن العالم ، كما هو ساقط عن وجود الحق ، لأنّ متى سؤال عن الزمان ، ولا زمان قبل العالم . فليس إلا وجود بحت خالص ليس من العدم - وهو وجود الحق - ووجود من العدم ، - وهو وجود العالم - ، فالعالم حادث في غير زمان . وإنّما يتعسّر فهم ذلك على الأكثرين ، لتوهّمهم الأزل جزءا من الزمان بتقدّم سائر الأجزاء ، وإن لم يسمّوه بالزمان ، فإنّهم أثبتوا له معناه ، وتوهّموا أنّ الله سبحانه
هامش
( 1 ) الكافي : ج 8 ص 31 ح 5 .