شرح
قال الزمخشريّ : الخلد : الثبات الدائم ، والبقاء اللازم الذي لا ينقطع . قال الله تعالى : وَما جَعلْنا لبَشَر مِنْ قَبْلِكَ الخُلْدَ ، أَ فإن مِتَّ فَهُمُ الخَالِدُونَ ( 1 ) انتهى .
وهذا المعنى هو المراد هنا . وقيل : هو في الأصل الثبات المديد دام أو لم يدم ، وقد تقدّم الكلام على ذلك مستوفى .
والباء للملابسة ، أي ملتبسا بالخلود ، وتسمّى باء الحال ، فتكون ظرفا مستقرا ، ويحتمل أن تكون متعلَّقة بالمتأبّد ، فتكون ظرفا لغوا .
قال صاحب اللباب : لا مانع عندي من جعل الباء لغوا في نحو : اشتريت الفرس بسرجه ، فتعلَّق الباء فيه ب « اشتريت » ، كما في كتبت بالقلم ، فإنّ وجوه التعلَّق مختلفة ( 2 ) . انتهى .
فإن قلت : ما المراد بالملك المتأبّد بالخلود ؟ أمعنى السلطنة أم معنى المملكة ؟ قلت : كلّ من المعنيين محتمل . فإن حملناه على معنى السلطنة ، فوجه اتّصافها بالخلود أنّ سلطنته تعالى بعلمه وقدرته على الممكنات عند أصحاب العصمة عليهم السّلام سواء أوجد الممكنات أم لا ، فهي لم تزل ولا تزال . وإن حملناه على معنى المملكة ، فخلودها باعتبار أنّه تعالى لمّا لم يكن زمانا ولا زمانيّا ، ولا مكانا ولا مكانيا ، ولا امتداد فيه ، كانت نسبته إلى ملكه - وهو الموجودات العينيّة قبل إنشائها ، وحال إنشائها ، وبعد فنائها - نسبة واحدة ، لا تقدّم ولا تأخّر فيها ، بل كلَّها حاضرة عنده ، لا باعتبار أنّها كانت في الأزل ، أو تكون معه فيما لا يزال ، لبطلان ذلك ، بل باعتبار أنّه لا يجري فيه زمان وأحكامه ، وأنّ نسبته إلى الأزل والأبد والوسط واحدة . فالعقل الصحيح إذا تجرّد عن شبهات الأوهام ، ولواحق الزمان ، ولاحظ أنّه لا امتداد في قدس وجود الحق يحكم حكما جازما بأنه تعالى لا يخلو من الملك قبل إنشائه وبعد فنائه . هكذا قرّره بعض المحقّقين من أصحابنا المتأخرين ، في
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف : ج 1 ص 110 .
( 2 ) لا يوجد لدينا كتابه .