حبّب إلينا ما نكره من قضائك ، وسهّل علينا ما نستصعب من حكمك ، وألهمنا الانقياد لما أوردت علينا من مشيّتك ، حتّى لا نحبّ تأخير ما عجّلت ، ولا تعجيل ما أخرت ، ولا نكره ما أحببت ، ولا نتخيّر ما كرهت .
شرح
وما أبلغ قوله عليه السّلام : « وأقرب إلى ضدّ العافية » فإنّ العافية متناولة لدفع جميع المكروهات في الظاهر والباطن ، والدين والدنيا والآخرة ، فيكون ضدّها متناولا لجلب جميع المكروهات ، فيما ذكر وفي هاتين الفقرتين من البديع الطباق ، بين « أبعد ، وأقرب » ، وجناس التصحيف في « العاقبة والعافية » . والله أعلم .
فصل عليه السّلام الجملة الأولى عمّا قبلها : لكمال الاتّصال ، لكونها وما بعدها كالبدل من الكلام السابق ، إذ كانت أوفى بتأدية المراد ، الذي هو سؤال عدم الكراهة لما اختاره سبحانه ، وما يترتّب عليها من استصعاب حكمه وعدم التسليم لمشيئته تعالى ، فإنّ هذا المعنى تضمّنه الكلام السابق ، لكن لا يدلّ عليه دلالة هذه الجمل ، فإنّ دلالتها عليه بالمطابقة ، وذلك بالالتزام ، فكانت أوفى بتأدية المراد منه .
وحبّبت إليه الشيء : جعلته محبوبا لديه . وتحبيبه تعالى للطاعات ونحوها إلى عباده يكون بإضافة ( 1 ) وجوه الألطاف والتوفيق . فلا دلالة في ذلك على مسألة خلق الأعمال ، كما تزعمه الأشاعرة .
واستصعبت الأمر : وجدته صعبا .
وتسهيله ما يستصعب من حكمه يكون بعنايته المهيئة للذهن والنفس قبول ذلك بسهولة .
وإلهامه الانقياد لمشيّته : ( 2 ) يكون بتأييد خاصّ باطني ، يقوّي به عقله على قهر نفسه الأمّارة بالسوء ، فتنقاد وتذعن لذلك ، ومرجع ذلك كلَّه إلى الألطاف الداعية إليه .
هامش
( 1 ) " الف " : بإفاضته :
( 2 ) " الف " : لمشيئته .