تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين ( ع ) — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
شرح
والمراد بالكراهة والاستصعاب المذكورين : كراهة الطباع واستصعابها لا على وجه السخط ، فقد يكون الشيء مكروها صعبا عند الإنسان في طبعه ، ومن حيث تنفر نفسه عنه ، ويشقّ عليها ، وإن كان يريده . لأنّ الله تعالى أمر به ، كالصوم في الصيف ، والإحرام في الشتاء . فسؤاله عليه السّلام تحبيب ذلك ، وتسهيله : جعله ملائما للطبع ، مقبولا عند النفس ، غير شاقّ عليها ، لتزول الكراهة والاستصعاب ، بمقتضى الطبع . و « حتى » مرادفة ل‍ « كي » التعليليّة ، أي « كي لا نحبّ تأخير ما عجّلت » إلى آخره ، وذلك أنّ علمه تعالى فعليّ ، يعلم الأسباب وما يترتّب عليها . والحوادث وما نشأت هي منها ، فهو محيط بالمبادئ والغايات ، ولا يعزب عنه مثقال ذرّة في الأرض والسماوات ، فما يعجّله وما يؤخّره ، وما يحبّه وما يكرهه لا يكون إلا عن مصلحة وحكمة ، فهو لا يختار للعبد إلا ما فيه خيره وصلاحه . وأمّا علم البشر فهو انفعاليّ ، فربّما عكس التصورات فظنّ المبادئ غايات ، وبالعكس ، والمصالح مفاسد ، وبالضد . فيجب على العبد أن يتصوّر قصور نفسه ، وكمال علم ربّه تعالى ، فيتحقّق ويتيقّن انّ كلّ ما اختاره له هو عين مصلحته ، فيلزم نفسه قبوله ، والتسليم له ، وإن كرهه طبعه ، ونفرت عنه نفسه ، فزع إليه - سبحانه - بالدعاء في جعل إرادته موافقة لإرادته سبحانه ، كما فعل سيّد العابدين عليه السّلام ، ليخلص من المخالفة طبعا واعتقادا ، وقد بيّن سبحانه وتعالى هذا المعنى أوضح بيان بقوله : وَعسَى أَنْ تَكرَهُوا شَيْئا وَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئا وَهُوَ شَرُّ لَكُمْ وَالله يَعلَمُ وأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 1 ) . والمحبّة من العبد : ميل نفسه إلى ما تتصوّر كونه موافقا وملائما لها . ومن الله تعالى : إرادة هي مبدأ فعل ما ، وتعود إلى علمه باشتمال الفعل على
هامش
( 1 ) سورة البقرة : الآية 216 .
رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين ( ع ) — صفحة 154 | السيد علي خان المدني الشيرازي / السيد محسن الحسيني الأميني