ومن نار لا تبقي على من تضرّع إليها ، ولا ترحم من استعطفها ، ولا تقدر على التّخفيف عمّن خشع لها واستسلم إليها ، تلقى سكّانها بأحرّ ما لديها من أليم النّكال ، وشديد الوبال .
شرح
قال ابن الأثير في النهاية : في حديث الدعاء « لا تبقي من تضرّع إليها » ، يعني النار ، يقال : أبقيت عليه ، أبقى ، إبقاء : إذا رحمته ، واشفقت عليه . والاسم البقيا ( 1 ) .
وقال الجوهريّ : أبقيت على فلان إذا أرعيت عليه ، ورحمته ، يقال : لا أبقى الله عليك إن أبقيت عليّ والاسم منه البقيا ، قال :
وما بقيا عليّ تركتماني * ولكن خفتما صرد النبال ( 2 )
واستعطفه : سأله أن يعطف عليه ، أي يشفق عليه ، ويرقّ له .
وقدر على الشيء يقدر - من باب ضرب - : قوي عليه وتمكّن منه .
وخشع له يخشع خشوعا : ذلّ وخضع .
واستسلم : أذعن له وانقاد .
والتخفيف : أعمّ من أن يكون كمّا وكيفا . فما وقع في بعض التفاسير في قوله تعالى : خَالِدينَ فِيْها لا يُخفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ( 3 ) ، أنّ الجملة « لا يخفّف » مستأنفة لبيان كثرة عذابهم من حيث الكيف ، إثر كثرته من حيث الكمّ ، ليس بمتعيّن .
والجملة من قوله : « تلقى سكّانها » مستأنفة استئنافا بيانيّا ، كأنّه سئل : كيف لا تبقي على من تضرّع إليها ، فقال : تلقى سكّانها بأحرّ ما لديها .
والنكال - بالفتح - العقوبة التي ينكل الناس عن فعل ما جعلت له جزاء من نكل عن الأمر ، إذا أحجم وامتنع .
هامش
( 1 ) النهاية لابن أبي الأثير : ج 1 ص 147 .
( 2 ) الصحاح : ج 6 ص 2283 .
( 3 ) سورة البقرة : الآية 162 .