ثمّ إذا ضمّ إلى جميع ذلك ما فعله علماء الأخبار من ذكر أخبار الاعتاق في منع ما زاد من الوصيّة عن الثلث وعدم إتيانهم بشيء منها في مسألة منجّزات المريض ، بل اكتفاؤهم فيها بما قدّمناه من أخبار الجواز يحصل الظنّ القويّ بشيوع الإطلاق المذكور ، فإنّ فعلهم هذا قرينة على أنّهم إنّما فهموا منها معنى الوصيّة ، فيكون فهم هذا المعنى من مثل هذا اللفظ معروفاً عندهم وفي عصرهم ، بل يكون معروفاً عند المعصوم ( عليه السّلام ) أيضاً .
هذا مع أنّ بعض هذه الأخبار ممّا لا يدلّ على مطلبهم أصلًا ، كصحيحة إسماعيل ، فإنّه وقع الحكم فيها على نفوذ العتق ابتداءً ، وليس فيها ما يدلّ على اعتباره من الثلث أصلًا ، ولا دلالة في السؤال أيضاً كما قد يتوهّم ، ولو دلّ السؤال أيضاً لم يكن حجّة بعد عدم تقرير المعصوم ( عليه السّلام ) .
و كذا لا دلالة لمرسلة ابن أبي عمير وخبر محمّد بن مسلم أصلًا ، بل دلالتهما على اعتبار الأصل أظهر وإن لم يصل حدّا يوجب الاستدلال به عليه كما بينّا .
وأمّا روايات الإبراء وهي الأربعة التي بعد الستّة المذكورة ، أي رواية أبي ولَّاد ، وموثّقة سماعة ، وصحيحة الحلبيّ ، ورواية سماعة ، فأجاب عنها في المسالك بأنّها متروك الظاهر بالإجماع ، فلا تصلح للاعتماد عليها ، لأنّ المسقط لما في الذمّة هو الإبراء دون الهبة ، بل لا يصحّ هبته ، ومضمون الأخبار الأربعة على خلاف ذلك .
ولا يخفى أنّ ذلك وإن كان صحيحاً ، إلَّا أنّه لقائل أن يقول : إنّ الخبرين الأوّلين والخبر الأخير من هذه الأربعة يشتمل على حكمين : أحدهما : عدم جواز الإبراء وجواز الهبة ، وثانيهما : احتساب الهبة من الثلث ، و ترك جزء من الخبر لنصّ أو إجماع لا يوجب ترك جزئه الآخر .
و لكن أنت خبير بأنّ الخبر المشتمل على مثل ذلك لا يطمئنّ به النفس سيّما مع اختلاف الجزءين على نحو لا يمكن إبقاء أحدهما و ترك الآخر .
وقد يجاب عن هذه الأخبار أيضاً بأنّ قوله : « تبرأه » يحتمل أن يراد منه الوصيّة بالإبراء ، لشيوع هذا الإطلاق كما عرفت .
ولا يخفى أيضاً أنّ ذلك خلاف الظاهر . والشواهد التي ذكرناها لبيان شيوع هذا الإطلاق كانت مختصّة بالإعتاق ، ومع ذلك كانت مع الأخبار التي جوّزنا فيها ذلك الإطلاق قرائن اخرى أيضاً كما ذكرناها ، و لكن لا نقول بعدم جواز إرادة الإطلاق هاهنا .
رسائل ومسائل ( فارسي ) — صفحة 409
مساهمون: ملا أحمد النراقي
ص٤٠٩