من أفعالنا إمّا يرضى لنا بفعله أو لا ، وعلى الاوّل إمّا يرضى بالترك أو لا ، والاوّل مباح ، والثاني واجب ، وهكذا إلى آخر الأحكام .
قلنا : لا نسلَّم أنّ الاوّل مباح والثاني واجب الخ ، وبيان ذلك بعد مقدّمه وهي أنّ الأحكام الشرعيّة خمسة : الايجاب ، وهو عبارة عن طلب الفعل حتماً ، والندب ، وهو عبارة عن طلبه من غير حتم ، والتحريم ، وهي عبارة عن طلب الترك حتماً ، والكراهة ، وهي عبارة عن طلبه لا على سبيل الحتم ، والاباحة ، وهي عبارة عن جعل الطرفين مساوياً ، أي الحكم بتساوي الطرفين .
ثمّ الوجوب والحرمة وأخواتهما اللازمة الانفعاليّة مترتبة على الايجاب والتحريم ، وأخواتهما المتعدّية الفعلية ، فيقال : أوجب فوجب ، وحرّم فحرم وهكذا ، فلا وجوب ما لم يتحقّق ايجاب ولا حرمة ما لم يتحقّق تحريم ، وهكذا الباقى .
ثمّ طلب الشيء عبارة عن اظهار محبوبيّته ، فما لم يتحقّق الاظهار بنحو من الأنحاء ولو بالعقل أو العادة أو غير هما لم يتحقّق الطلب ، و ما لم يتحقق الطلب لم يتحقق الوجوب والحرمة واخواتهما وإن كان الفعل في الواقع محبوباً فعله أو تركه ، مع مبغوضيّة النقيض أو عدمها ، فإنّ المولى اذا اشترى عبداً و لم يأمره بعد بشيء و لم يحكم له به حكم ليس شيء واجباً عليه ولا حراماً ، إلى آخر الأحكام ، الَّا ما كان ممنوعيّته أو مبغوضيّته أو تساويه معلوماً للعبد بالعقل أو العادة ، فانّهما أيضاً لسانان للمولى في ما كان كذلك .
فلو كان الجلوس في بيت معيّن محبوباً للمولى واقعاً مبغوضاً تركه ، و لكن لم يبيّنه بعد للعبد ، لا يقول أحد : انّه أوجبه عليه ، أو واجب عليه ، وهذا ظاهر جدّا .
ويكفيك في ذلك كون تلك الأحكام أحكاماً ، وهي من مقولة الانفعال ، حيث إنّ الحكم عبارة عن التصديق ، فلا يتحقّق الحكم الَّا بفعل من الحاكم .
و بعد تلك المقدّمة يظهر لك أنّ الواجب والمباح وأخواتهما هو ما بيّن الله سبحانه وجوبه أو اباحته وقرّره لنا ، وامّا مجرّد الرضا بالفعل وعدم السخط عليه من دون بيان ذلك اصلًا فليس حكماً ولا تكليفاً .
أ لا ترى أنّ الله سبحانه محيط بجميع افعال الحيوانات ، والأطفال والمجانين ، و من لم يسمع بشريعة اصلًا ، وبأفعال النّاس قبل البعثة ، بل بسكنات الجمادات ، ولا يخلو إمّا راض بها ، أو لا إلى آخر ما قيل مع انّهم ليسوا بمكلَّفين ولا محكومين ، فما الضرر عقلًا في أن نكون في بعض أفعالنا مثلهم .
رسائل ومسائل ( فارسي ) — صفحة 286
مساهمون: ملا أحمد النراقي
ص٢٨٦