من هنا يتبين أن العقل وحده لا يمكنه هداية الانسان إلى القانون ، لأنه هو الذي يدعو
في بعض الأحيان إلى الاختلاف وهو الذي يوقظ غريزة الاستثمار وجلب النفع بصورة مطلقة
وبحرية كاملة ، وهو الذي يضطر إلى أن يتقبل المجتمع المتوازن كل ذلك لما يحس به من
المزاحم الذي يزاحمه .
ومن البديهي أن القوة الواحدة لا يصدر عنها أثرين متناقضين - احداث الاختلافات
ورفعها .
ان ما يحدث من سحق الحقوق وعدم الوفاء بالوعود وما أشبه هذا من الأمور ، انما يحدث من
العقلاء الذين لهم الادراك الكامل ولولا العقل لما صح عندما يفعلونه ذنبا ولما صح
العقاب عليه . فلو كان العقل يدل حقا على القوانين الرافعة للاختلاف ولم يكن يتخلف
عن واجبه ، لما كان يرضى بما يصدر عن الانسان مما ذكرناه ، بل كان يمنع منه أشد
المنع .
العامل الأصلي في التخلي عن الواجب مع وجود العقل ، هو أن العقل يضطر إلى الحكم
بقبول مجتمع يحافظ على التوازن ويرعى القوانين المتضمنة للعدالة الاجتماعية ، ويوجد
هناك مزاحم يحد من الحرية الكاملة في العمل ، ولولا وجود المزاحم لما كان العقل يحكم
برعاية التعاون والعدالة الاجتماعية .
المتخلفون عن القانون هم الذين يملكون قدرة فوق القدرة المجرية لذلك القانون ،
فيتخلفون عنه بلا وجل ولا خوف ، أو الذين يلجأون إلى مخبأ يصعب الوصول إليهم لبعدهم
عن القوة المجرية ، أو
القرآن في الإسلام — صفحة 98
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٩٨