عزم العبد على النكاح فلا يكون همه من النساء إلَّا ذات دين وصلاح ، والعقل والقناعة فليس تخلص له النيّات التي ذكرناها آنفا إلَّا على هذه القواعد . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تنكح المرأة لمالها وجمالها وحسنها ودينها فعليك بذات الدين . وفي لفظ آخر : من نكح المرأة لمالها وجمالها حرم مالها وجمالها ، ومن نكحها لدينها رزقه الله عزّ وجلّ مالها وجمالها .
وروينا أيضا : لا تنكحوا المرأة لجمالها فلعل جمالها يرديها ، ولا لمالها فلعل مالها يطغيها ، وانكحوا المرأة لدينها فنكاح المرأة للدين والصلاح طريق من الآخرة ، والرغبة في المرأة الناقصة الخلق الدنيئة الصورة الكبيرة السن ، السن باب من الزهد . وقد كان أبو سليمان يقول : الزهد في كل شيء حتى يتزوّج الرجل العجوز أو غير ذات الهيئة إيثارا للزهد في الدنيا . وكان مالك بن دينار يقول : يترك أحدهم أن يتزوّج يتيمة فيؤجر فيها إن أطعمها وكساها تكون خفيفة المئونة ترضى باليسير ويتزوّج بنت فلان وفلان ، يعني أبناء الدنيا ، فتشتهي الشهوات عليه وتقول : اكسني ثوب كذا واشتر لي مرط حرير فيتمرط دينه .
وقد اختار أحمد بن حنبل رضي الله عنه امرأة عوراء على أختها صحيحة جميلة ، فسأل من أعقلهما ؟ قيل : العوراء . فقال : زوّجوني إياها . وقد يكون في تزويج المرذولة المجذوعة فيه بأن يرفع قلبها إذ لا يرغب في مثلها ، واستحبّ له أن ينظر إلى وجهها قبل التزويج بها وإلى ما يدعوه إليها ، فإن ضمّ إلى الوجه والكفين فلا بأس بذلك عند علماء الحجاز . ففي النظر إلى الوجه أحاديث مأثورة ، منها حديث محمد بن مسلمة قال : رأيته يتبع النظرة فتاة في الحي حتى توارت بالنخل فقلت له : تفعل هذا وأنت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا بهذا . قال : إذا أوقع الله عزّ وجلّ في قلب أحدكم خطبة امرأة فلينظر إليها ليرى منها ما يدعوه إليها . وفي الحديث الآخر إن في أعين الأنصار شيئا . فإذا أراد أحدكم أن يتزوّج منهن فلينظر إليهن . في لفظ آخر : إذا أوقع في نفس أحدكم من امرأة شيء فلينظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينهما ، يعني يؤدم وقوع الأدمة على الأدمة ، وهو أبلغ من البشرة لأنّ البشرة ظاهر الجلد والأدمة باطنه جاء ، هذا في المبالغة على ضرب المثل . وقد كان الأعمش يقول : كل تزويج يقع عن غير نظر يكون آخره غمّا وهمّا ولا يغالي في المهر . فقد تزوّج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض نسائه على عشرة دراهم وأثاث البيت ، وكان رحى يد ، وجرة ، ووسادة من أدم وحشوها ليف ، وأولم على أحد نسائه بمدّين من شعير ، وعلى أخرى بمدّي تمر . فالوليمة سنّة وترك الإجابة إليها معصية . وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ينهي عن المغالاة بمهور النساء ويقول : ما تزوّج
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد — صفحة 417
مساهمون: أبي طالب المكي
ص٤١٧