تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد — صفحة 416

مساهمون:

ص٤١٦
ذلك وعظم عليّ ، وهبتهم أن أسألهم إلى أنّ مر بي آخرهم وكان غلاما فقلت له : يا هذا ، من المشئوم الذي تومئون إليه قال : أنت قلت : ولم ذلك ؟ قال : كنا نرفع أعمالك في أعمال المجاهدين في سبيل الله تعالى ، فمنذ جمعة أمرنا أن نضعها في أعمال المخالفين ، فما أدري ما ذا أحدثت فقال لإخوانه : زوّجوني ، زوّجوني فلم يكن يفارقه زوجة أو زوجتان أو ثلاث ، وربما كانت النفس الأمارة أضر على العبد من أربع نسوة ، وإنما كره من كره الأهل والولد لأجل الشغل بهم عن الله تعالى وما قرب إليه ، فإذا كان من لا أهل له ولا ولد مشغولا ببطالته عن الله عزّ وجلّ ، منهمكا في شهواته عن سبيل هؤلاء ، كان أسوأ حالا من ذي الأهل والولد وقد جعل من لا يطلب الأهل والمال للكفاف به والإفضال في المنزل المكروه . وقد روي في الخبر : أنّ من أهل النار الضعيف الذي لا دين له ، هو فيكم تبع ، لا يبغون أهلا ولا مالا . قيل : هم السؤال المنهومون في المسألة ، الذي همه بطنه لا يبالي كيف طلب ولا على أي حال من الفحش تقلب . فمن لم يشغله أهله وماله عن الله عزّ وجلّ كان أفضل ممن لا أهل له ولا ولد ، فهو عبد بطنه وفرجه ، أسير هواه وشهوته . وقد أخبر الله تعالى أنّ للمؤمنين أموالا وأولادا ، ثم أمرهم أن لا يشغلهم ذلك عن الله عزّ وجلّ . وقد وصف أقواما بأن بيعهم وتجارتهم لا تشغلهم عن عبادته ، وأنهم أهل خوف من يوم تنقلب فيه القلوب والأبصار . وقد مدح قوما فسألوه الأزواج والذرية ، وجعل ذلك في وصفهم في قوله عزّ وجلّ : * ( يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا من أَزْواجِنا وذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ) * [ الفرقان : 74 ] . وقرّة أعين لا يشغل ولا يحجب عن قرّة العين بل يكشف عنه ويقرب منه ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : حبّب إليّ من دنياكم ثلاث ، الطيب ، والنساء ، وجعل قرّة عيني في الصلاة . وقد كان أبو سليمان يقول : إنما تركوا التزويج لتتفرغ قلوبهم لذكره . وروينا عن ابن أبي الحواري الحديث الذي رواه عن حبيش عن الحسن : إذا أراد الله بعبد خيرا لم يشغله بأهل ولا مال . قال أحمد رضي الله عنه : فناظرنا في الحديث جماعة من العلماء ، وإذا ليس معناه أنه لا يكون له امرأة ولا ولد ولكن يكونون له ولا يشغلونه ، وإنما يحسّ النكاح بمشغول أنه لا يكون له امرأة ولا ولد ولكن يكونون له ولا يشغلونه ، وإنما يحسّ النكاح بمشغول الهمّ عن الفكر ، فيه ذي نفس مطمئنة وعين خاشعة لرب ذي سكينة وقلب ذي خشية ، كما حدثونا عن داود الطائي أنه قال : منذ خمسين سنة ما خالط ذكري ريح . وقيل لبعضهم : هل دخل ذكرك ريح بشهوة ؟ فقال : أما منذ قرأت القرآن فلا . وقال بعض العلماء : منذ عشرين سنة ما وقع نظري على فرجي . فأما بطال ذو نفس أمارة ونظرة ثاقبة وشهوة قوية . فالنكاح من أحسن أعماله وأرفع أحواله ، لأنّ المباح مقام من لا مقام له ، فإن