تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد — صفحة 414

مساهمون:

ص٤١٤
عدلا : من صبر على الشدة فالتزويج له أفضل ، والوحيد يجد من حلاوة العمل وفراغ القلب ما لا يجد المتأهل ، وقال مرة : ما رأيت أحدا من أصحابنا تزوّج وثبت على مرتبته الأولى . وروينا عنه أنه قال : ثلاث من طلبهن فقد رغب في الدنيا ، من طلب معاشا ، أو تزوّج أو كتب الحديث . ولعمري أنّ المرأة تحتاج إلى فضل مداراة ولطيفة من الحكمة ، وطرف من المواساة وباب من الملاطفة ، واتساع صدر للنفقة وحسن خلق ، ولطف لفظ وهو لا يحسنه إلَّا عالم حليم ، ولا يقوم به إلَّا عارف حكيم ، فمن لم يقم بذلك ولم يهتد إليه ، ولم يعتد للنفقة ولم يألف الجماعة ، وكان قد ألف وحدته واعتاد الانفراد بأكلته ، وكان ضيق القلب بخيل الكف ، سيّئ الخلق غليظ القلب ، فظ اللفظ فالوحدة لهذا أصلح ، والبعد من النساء لقلبه أروح ، فمتى تزوّج من هذا وصفه عذب وعذب ، وآذى وتآذى ، وأثم وآثم به لأن النساء يحتجن إلى فضل حلم يحمل سفههن ، وإلى سعة علم يغمر جهلهن ، وإلى حسن لطف وحكمة يداري أخلاقهن ويتغافل عن زللهن ، فإذا كان الرجل جاهلا سفيها ، أو كان سيّئ الخلق فظا غليظا ، اجتمع الجهل فافترق العقل وتقادح الجفاء ، وغلظ القلب والأذى فسد أكثر مما يصلح ، وتنافرا ولم يكن بينهما أبدا صلح ، وليس هو وصف العقلاء ، واستحب للرجل إذا أراد التزويج أن يشرح حاله ويبين أخلاقه للمرأة ، حتى تكون على بصيرة من أمره ويقين من حاله ، ويدخل على اختيار منها ، فذلك من الورع وقد فعله بعض السلف . وقد تزوج رجل على عهد عمر رضي الله عنه ، وكان يخضب بالسواد فلما دخل بامرأته نصل خضابه فظهرت شيبته ، فاستعدى أهل المرأة وقالوا : نحن حسبناه شابا فأوجعه ضربا وقال : غررت القوم وفرق بينهما . وروينا عن شعيب بن حرب ، لما أراد أن يتزوج قال للمرأة : إني سيّئ الخلق فقالت : يا هذا ، أسوأ خلق منك من يحوجك إلى سوء الخلق . وروي ضد هذا أنّ رجلا أراد أن يتزوج فقال للمرأة : إنّ لي أخلاقا أوقفك عليها فإن رضيت بها تزوّجتك فقالت : افعل فقال : أنا رجل ملول حقود ، سيّئ الظن غيور ، ضيق الصدر واسع الضرب ، إن كثرت عندي مللت ، وإن أبعدت قلقت ، وإن تكلمت أوغرت صدري ، وإن سكت أشغلت قلبي ، فقالت المرأة : أما بعد فقد ذكرت من نفسك أخلاقا ما كنا نرضاها لبنات إبليس فكيف نرضاها لبنات آدم ، انصرف راشدا لا حاجة لنا بك ، ومن خشي على نفسه الآفات ووفق له امرأة فيها بعض الخصال المحمودة ، فالتزويج له أفضل فليكن له حينئذ في التزويج نيّات ، لأنه من أكبر الأعمال ولا يكون نكاحه لأجل هواه مجردا فقد قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه : إذا وافق الحق الهوى فذلك الزبد بالبرّ