سيّان ، فلتكن نيته إقامة سنّة وصلاح قلب ، وسلامة دينه وغض بصره ، وتحصين فرجه فقد أمر بذلك ، ويحتسب في الكسب على العيال التوبة من الله عزّ وجلّ ، ويحتسب مثل ذلك في نصحه لها في أمر الآخرة كما يحبه لنفسه ، حتى يؤجر بسببها مثل ما يثاب لنفسه ، فهو من النصيحة لها والإشفاق عليها ، وليجعل ذلك لوجه الله سبحانه فقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم : ما أنفق الرجل على أهله فهو له صدقة ، وإنّ الرجل ليؤجر في رفع اللقمة إليّ في امرأته ، ومنها أنه كالمجاهد في سبيل الله . وقال رجل لبعض العلماء وهو يعدد نعم الله عزّ وجلّ عليه : من كل عمل قد أعطاني الله تعالى نصيبا ، حتى ذكر الحج والجهاد وصنوف العبادات فقال له العالم : فأين أنت من عمل الأبدال قال : وما هو قال : كسب الحلال والنفقة على العيال . وقال ابن المبارك لإخوانه وهم في الجهاد : تعلمون عملا أفضل مما نحن فيه قالوا : ما نعلم ، ذاك جهاد في سبيل الله وقتال لأعدائه ، أيّ شيء أفضل منه قال :
لكني أعلم قالوا : ما هو قال : رجل متعفف ذو عيلة ، قام من الليل فنظر إلى صبيانه نياما متكشفين فسترهم وغطاهم بثوبه ، فعمله هذا أفضل من جهادنا في سبيل الله عزّ وجلّ وقال رجل لبشر : قد أضرّني الفقر والعيال فادع الله لي فقال له بشر : إذا قال لك عيالك :
ليس عندنا خبز ولا دقيق ونحن جياع فادع الله لي أنت ذلك الوقت ، فإن دعاءك أفضل من دعائي . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : من حسنت صلاته وكثر عياله ، وقلّ ما له ولم يغتب المسلمين ، فهو معي في الجنة كهاتين .
وفي حديث آخر : أنّ الله تعالى يحب الفقير المتعفف ، أبا العيال ومن النية في ذلك أنّ الاهتمام بمصلحتهم ، والغم على نوائبهم زيادة في حسناتهم ، لأنه عمل من أعماله .
وفي الخبر : إذا كثرت ذنوب العبد ابتلاه الله تعالى بالهم ليكفرها ، وقال بعض السلف : من الذنوب ذنوب لا يكفرها إلَّا الغم بالعيال . وقد روينا : أنّ من الذنوب ذنوبا لا يكفرها إلَّا الهم بطلب المعاش ، وله في الصبر عليهن وجميل الاحتمال لأذاهن ، وفي حسن العشرة لهن مثوبات وأعمال الصالحات ، وربما كان موت العيال عقوبة للعبد ونقصان حظ ، إذا كان الصبر عليم والإنفاق مقاما له كان عدم ذلك مفارقة لحاله نقص به . وحدثنا بعض العلماء : أنّ بعض المتعبدين كان له زوجة ، وكان حسن القيام عليها إلى أن توفيت ، فعرض عليه إخوانه التزويج فامتنع وقال : إنّ الوحدة أروح لقلبي وأجمع لهمي قال : فرأيت في المنام بعد جمعة من وفاتها ، كأن أبواب السماء قد فتحت ، وكان رجالا ينزلون ويسيرون في الهواء يتبع بعضهم بعضا ، وكلما نزل واحد نظر إلى فقال : لمن وراءه هذا هو المشئوم فيقول : نعم ويقول الثالث : لمن وراءه هذا هو المشئوم فيقول الرابع : نعم قال : فراعني
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد — صفحة 415
مساهمون: أبي طالب المكي
ص٤١٥