لَهُمْ أَزْواجاً وذُرِّيَّةً ) * [ الرعد : 38 ] . فعدّ الأزواج والذرية من مدحهم وذكرها في وصفهم ، وكذلك ألحق بهم أولياءه في المدح والفضل في قوله عزّ وجلّ : * ( والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا من أَزْواجِنا وذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ) * [ الفرقان : 74 ] . فسألوا الله عزّ وجلّ من فضله ، وكل ما ذكرناه من فضل النكاح يشترك في فضل ذلك النساء ، بل هو لهن أفضل وأثوب لسقوط المكاسب عنهن . وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم المرأة بالتزوج وندبها إليه ، وأخبر بفضل الرجل وفضل المتزوجة على العزباء في غير حديث ، وقال صلى الله عليه وسلم : لعن الله المتبتلين من الرجال الذين يقولون : لا نتزوج ، لعن الله المتبتلات من النساء اللاتي يقلن : لا نتزوج بعد ما ذكر من عظيم حق الرجل على المرأة وثقل واجبه حتى قالت المرأة إذ لا أتزوج إذا قال : بل تزوجي ، فهو خير . والأخبار في فضل النكاح للزوجين معا أكثر ، وليس مذهبنا الإطالة والإكثار في الجمع . وقد ندب الله تعالى إلى النكاح في قوله تعالى : * ( فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ) * [ البقرة : 223 ] . وفي أنّي ثلاث ، معان : معنيان منها هنا يكون أنّى بمعنى كيف شئتم من ليل أو نهار ، فكيف شئتم مقبلة أو مدبرة . وبين ذلك بعد أن يكون في موضع الحرث ، وقد يكون أنّى في موضع آخر بمعنى أين ، ولا يصلح هذا الوجه هاهنا ثم قال عزّ وجلّ * ( وقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ ) * [ البقرة : 223 ] . قيل : النكاح معطوف به الإتيان ، وهو أحد الوجوه الثلاثة :
لما فيه من فضل الاغتسال من الجنابة ، ولما فيه من فضل مباشرة المرأة وأنّ المرأة إذا لاعبها بعلها وقبلها كثرت له من الحسنات ما شاء الله ، فإذا اغتسلا خلق الله من كل قطرة ملكا يسبح الله تعالى إلى يوم القيامة ، وجعل ثواب ذلك لهما ، ولما في ذلك من التحصين لهما ووضع النطفة في محلها ، وفي ذلك فضائل جمّة ، وقد أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله :
ليتخذ أحدكم قلبا شاكرا ولسانا ذاكرا ، زوجة مؤمنة تعينه على آخرته .
والوجه الثاني في قوله تعالى : * ( وقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ ) * [ البقرة : 223 ] . قيل : الولد قدموا لآخرتكم ، لأنه عمل من أعمالكم . كما قال عزّ وجلّ : * ( أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وما أَلَتْناهُمْ من عَمَلِهِمْ من شَيْءٍ ) * [ الطور : 21 ] . أي ما نقصناهم أولادهم ، أي جازيناهم بهم وجعلناهم مزيدا في حسناتهم لأنهم من أعمالهم وأكسابهم ، وكما قال عزّ وجلّ : * ( ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ ) * [ المسد : 2 ] . يعني ولده ، ففي تدبره أنّ الولد يغني المؤمن في الآخرة كما يغني المال عنه إذا أنفقه في سبيل الله تعالى . وفي الخبر : ولد الرجل من كسبه فأحل ما أكل من كسب ولده ، والوجه الثالث في قوله عزّ وجلّ : * ( وقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ ) * [ البقرة : 223 ] . قيل التسمية عند الجماع أي اذكروا اسم الله تعالى عنده ، فذلك تقدمة لكم ، وأنه يستحب للمجامع أن يسمي الله عزّ وجلّ عند جماعة ، ويقرأ
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد — صفحة 407
مساهمون: أبي طالب المكي
ص٤٠٧