الواحد بدابة واحدة فيكون فيها بلاغ إلى حين ، ذلك تقدير العزيز العليم وإتقان صنع المنعم الحكيم . وقد شرط الله تعالى مع الزوجة ثلاثة شروط ، إن وجدت تمّت بهن كفاية العبد وسكنت بها نفسه ، وكان ذلك من آيات الله الدالة عليه ، وإن لم توجد الشروط الثلاثة مع الإحدى ، كان له المزيد عليها إلى الرباع ، وكن في المعنى كالآحاد لعدم الشروط التي أخبر الله عزّ وجلّ بسكون النفس عندها ، وعند الأربع توجد الشروط في قلوب المؤمنين لا محالة كما أخبر عزّ وجلّ ، وكان ذلك أيضا من آياته وحكمته الدالة عليه فقال سبحانه : * ( ومن آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ من أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً ورَحْمَةً ) * [ الروم : 21 ] . فإن وجد العبد سكون النفس ورحمة القلب ومودة المرأة في الواحدة ، فهو من آيات الله عزّ وجلّ وهي كفايته وغنيته ، وإن لم يجد السكون ولا الرحمة ولا المودة إلَّا في الأربع ، فهن حينئذ كفايته وقنيته . والله تبارك وتعالى يغني بالواحدة ويقني بالأربع ، أي يجعل غنيا ويجعل قنية جماعة ومدخرا ، وذلك أيضا من آيات الله تعالى واختياره لمن قوي عليه واستقام به . وقد شبه بعض الناس الأزواج بالقمص فقال :
ليس من السرف أن يجمع الرجل أربعة أقمصة ، وما زاد على ذلك كان سرفا . كما أنّ الله عزّ وجلّ أمر بالجمع بين الأربع من النساء ، ويصلح أن يستدل له بقوله تعالى : * ( هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ ) * [ البقرة : 187 ] . فجعلهن في معنى الملبوس ورفع فيهن إلى الأربع وفي قوله تعالى :
* ( فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ من النِّساءِ ) * [ النساء : 3 ] . ثم ابتدأ فنص على مثنى ولم يقل :
إحدى على الندب والاستحباب للجمع بين اثنين ، وإنّ العدل قد يوجد ويقدر عليه معهما ، ثم رد إلى الواحدة لمن خاف الجور فيهن فقال تعالى : * ( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً ) * [ النساء : 3 ] . ففي دليل الخطاب اشتراط العدل في الأربع ، ثم ذكره بقوله :
* ( ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا ) * [ النساء : 3 ] . يعني أقرب أن لا تجوروا . وقد قال بعض الفقهاء من أهل الحجاز واللغة : لا تعولوا ، أي لا تكثر عيالكم . والأول أحب إليّ ، لأنه أشبه بالقرآن كأنه عطف على النص لما قال : أن لا تعولوا . قال : ذلك أدنى أن لا تجوروا ، والأول أحب إليّ ، ويصلح هذا الوجه أيضا في اللغة من قال : عال يعول ، بمعنى أعال يعيل ، وأكثر العرب فرقت بين ذلك يقولون : عال يعول إذا جار ، وأعال يعيل من العيلة إذا كثر عياله ، وشاذ نادر من يجعلها لغتين بمعنى فليتوخّ العدل بين أزواجه ، من جمع بينهن في النفقة والكسوة والمبيت ، ولا يحيف على بعض فيقصر عن كفايتها وواجبها في ذلك .
فقد جاء في الحديث : من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما دون الأخرى ، وفي لفظ آخر ، فلم يعدل بينهما ، جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل ولا عدل عليه في المحبة
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد — صفحة 410
مساهمون: أبي طالب المكي
ص٤١٠