في النكاح فأكثروا منه لما ضيقوا على جوارحهم عن الانتشار في الأبصار ، وقد كان الجنيد رحمه الله يقول : أحتاج إلى الجماع كما أحتاج إلى القوت ، وكان ابن عمر رضي الله عنه من زهاد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وعلمائهم ، وكان يصوم كثيرا ، وكان يفطر على الجماع قبل الأكل ، وربما جامع قبل أن يصلي بالمغرب ثم يغتسل ويصلَّي .
وروينا عنه أنه جامع أربعا من جواريه في رمضان قبل صلاة عشاء الآخر ، وقد كان ابن عباس رضي الله عنه يقول : خير هذه الأمة أكثرها نكاحا ، وكان سفيان بن عيينة يقول :
كثرة النساء ليست من الدنيا لأن عليّا رضي الله تعالى عنه كان أزهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان له أربع نسوة وسبعة عشر سرية ، فالنكاح سنّة ماضية وخلق من أخلاق الأنبياء صلوات الله عليهم . وقد روينا في أخبار الأنبياء أنّ عابدا تبتل وبلغ من العبادة ما فاق على أهل زمانه ، ووصف بذلك فقال : فذكر ذلك لنبي ذلك الزمان ، فأثنى عليه بحسن الثناء فقال : نعم الرجل هو لولا أنه تارك لشيء من السنة قال : فنمى ذلك إلى العابد فأهمه فقال :
ما ينفعني عبادتي ليلا ونهارا وأنا تارك للسنة ، فجاء إلى ذلك النبي فسأله فقال : نعم أنت تارك للتزوّج فقال : ما تركته أنني حرمته ومنعني منه إلَّا أني فقير لا شيء عندي وأنا عيال على الناس ، يطعمني هذا مرة وهذا مرة ، فكرهت أن أتزوّج امرأة أعضلها وأرهقها جهدا ، فقال : ما يمنعك إلَّا هذا قال : نعم قال : فأنا أزوجك ابنتي قال : فزوجه النبي عليه السلام ابنته في قصة طويلة . وروينا في نوادر أخبارهم أيضا : أنّ يحيى بن زكريا عليهما السلام تزوّج امرأة ولم يكن يقربها ، قيل : لغض البصر وقيل : للفضل في ذلك ، كأنه أراد أن يجمع الفضائل كلها ، وقيل : للسنّة . وكان بشر بن الحارث رحمه الله يعتقد أحمد بن حنبل رحمه الله ويقول : فضل عليّ بثلاث بطلب الحلال لنفسه ولغيره ، وأنا أطلب الحلال لنفسي واتساعه للنكاح وضيقي عنه وقد جعل إماما للعامة ، وأنا أطلب الوحدة لنفسي .
ويقال إنّ أحمد بن حنبل رضي الله عنه تزوّج اليوم الثاني من وفاة أم عبد الله ولده ، ويقال إنه لم يبت عزبا بعد وفاتها إلَّا ليلة ، ولكن قد كان بشر رحمه الله يحتج لنفسه بحجة ، قيل له إنّ الناس يتكلمون فيك فقال : وما عسى أن يقولوا قال : يقولون هو تارك للسنّة في ترك النكاح فقال : قل لهم : هو مشغول بالفرض عن السنّة ، وعوتب مرة أخرى في ترك التزوج فقال : ما يمنعني من ذلك إلَّا حرف في كتاب الله عزّ وجلّ : * ( ولَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ ) * [ البقرة : 228 ] قال : فذكر ذلك لأحمد بن حنبل فقال : وأين مثل بشر أنه قعد على مثل حد السنان ، وعلى ذلك فقد بلغنا أنه رحمه الله رؤي في المنام بعد وفاته ، فسئل عن حاله فقال : رفعت سبعين درجة في عليين ، وأشرف بي على مقامات الأنبياء ولم أبلغ منازل
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد — صفحة 404
مساهمون: أبي طالب المكي
ص٤٠٤