وكذلك لا نسلَّم أنّه مع الخلو من الشرط يكون عهدا ، والآيتان متأوّلتان بما استحقّ اسم العقد والعهد فعليهم أن يدلَّوا على ذلك ، وأمّا الخبر المروي عنه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فإنّه إنّما أمر بالوفاء بما هو نذر على الحقيقة ، ونحن نخالف في أنّه يستحقّ هذه التسمية مع فقد الشّرط فليدلَّوا على ذلك ، فأمّا استدلالهم بقول جميل :
فليت رجالا فيك قد نذروا دمي
وهمّوا بقتلي ثابتين القول
ويقول عنترة :
الشاتمي عرضي ولم أشتمهما
والناذرين إذا لقينهما دمي
بأنّ الشاعرين « أطلقا اسم النذر مع عدم الشرط » فمن ركيك الاستدلال ، لأنّ جميلا ما حكى لفظ نذرهم وإنّما أخبر عن أعدائه بأنّهم نذروا دمه فمن أين أنّ نذرهم الذي أخبر عنه لم يكن مشروطا ، وكذلك القول في بيت عنترة على أنّ قوله : « إذا لقيتهما » هو شرط فكأنّهم قالوا : إذا لقيناه قتلناه فنذروا والشرط فيه اللَّقاء » .
قلت : وقوله تعالى * ( « يُوفُونَ بِالنَّذْرِ » ) * ورد في تفسيره أنّ الحسنين عليهما السّلام مرضا فنذر أمير المؤمنين والصديقة عليهما السّلام صوم ثلاثة أيّام إن شفاهما اللَّه تعالى ، وأمّا قوله تعالى : عن امرأة عمران * ( « رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً » ) * ، وعن ابنة عمران * ( « إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا » ) * أيضا من أين لم يكونا مشروطين مع أنّ غلام ثعلب روى عنه كما قال الحليّ أنّ النذر عند العرب وعد بشرط ، ويمكن الاستدلال له بقول ابن أحمر على ما في الصحاح :
« كم دون ليلى من تنوفيّة
لمّاعة تنذر فيها النذر
قال : فقال : النذر فيه جمع نذر مثل رهن ورهن ويقال : إنّه جمع نذير بمعنى منذور مثل قتيل وجديد ، وقال : فقال : نذرت أنذر وأنذر أي بالضمّ والكسر في المضارع - إلخ « فالمعنى ينذر نذرا للوصول إليها فهو دليل على شرط التعليق ، وبما في المصباح وفي حديث » لا تنذروا للَّه فإنّ النذر لا يردّ قضاء