وأمّا ما رواه سنن أبي داود في أوّل باب تشميت عاطسه عن معاوية بن الحكم السّلميّ « صلَّيت مع النّبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله فعطس رجل من القوم ، فقلت :
يرحمك اللَّه فرماني القوم بأبصارهم فقلت : وا ثكل أمّاه - إلى أن قال - فلمّا صلَّى النّبيّ - إلى أن قال - قال : إنّ هذه الصّلاة لا يحلّ فيها شيء من كلام النّاس هذا ، إنّما هو التّسبيح والتّكبير وقراءة القرآن - الخبر » فأخبار العامّة إذا تفرّدوا به ليست بحجّة وقول « يرحمك اللَّه » للعاطس - ويقال له : التّسميت والتشميت - ليس من كلام الآدميّين بل دعاء كباقي ما عدّه .
* ( والبكاء ) * عطف على « الكلام » فيكون المراد ترك البكاء .
قال الشّارح : « البكاء بالمدّ وهو ما اشتمل منه على صوت لا مجرّد خروج الدّمع مع احتمال كون مجرّد خروجه أيضا مبطلا لكونه البكى مقصورا ، والشّكّ في كون الوارد منه في النصّ مقصورا أو ممدودا ، وأصالة عدم المدّ معارض بأصالة صحّة الصّلاة ، فيبقى الشّكّ في عروض المبطل مقتضيا لبقاء حكم الصحّة » .
قلت : ما قاله من الفرق بين البكاء والبكى تفرّد به الصّحاح ، ونسبه المصباح إلى قيل ولم يعلم صحّته ، وقوله : « وأصالة عدم المدّ » ليس بصحيح لأنّه يمكن أن يقال بعدم أصالة القصر ، لأنّ الخبر يمكن أن يكون ورد بكلّ منهما فلا مورد لأصالة العدم ههنا ، وقوله بأصالة صحّة الصّلاة أيضا غير صحيح بل هنا يأتي قاعدة تقدّم أصالة الاشتغال .
واستشهد الصّحاح لقوله في الفرق بينهما بقول الشّاعر :
بكت عيني وحقّ لها بكاها * وما يغني البكاء ولا العويل
وهو كما ترى ومن أين أنّ « البكاء » فيه ليس هو عين « بكاها » وأراد الشّاعر أنّه لا يغني غير البكاء ، العويل ورفع الصوت بالصياح أيضا حيث إنّه أتى أوّلا ببكى منكَّرا ثم أتى بالبكاء معرّفا إشارة إلى أنّ الثّاني عين الأوّل كقوله تعالى : « أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ » . والجمهرة
النجعة في شرح اللمعة — صفحة 187
مساهمون: الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
ص١٨٧