شرح
وجعل فيه أيضاً ضدّ ذلك ، وهو التهاجم على بعض المحسّنات الحقيقية ،
الملازمة للفوائد المهمّة ، وإن كانت مستقبحة لدى العقول الناقصة ، كالمواقعة
الموجبة لبقاء النسل أو التجالد للحدود الشرعية ، أو النهي عن المنكرات ، أو
المباشرة للجهاد ، وأمثالها الموجبة لحفظ نواميس الدين والدنيا .
وجعل فيه الشجاعة ، وضدّها الجبن ، وكلّ منهما نعمة منه تعالى على عبده ؛
فإنّه لولا الشجاعة لما تهنّأ بعيش أبداً ، وربما هلك بأدنى خوف من شبح أو ظلمة
أو صوت هائل .
ولولا الجبن لتهاجم على الاقتحام في المهالك ، إلى غير ذلك من فوائد القوى
الكثيرة المتضادّة المودعة فيه .
ثمّ مَنّ سبحانه عليه بالنُطق المخرج له عن حدّ البهيمية المهملة ، والميسّر له
الإخبار عن ضميره .
كما مَنّ عليه بتعلّم الكتابة ؛ حفظاً لوقائع السلف عبرة للخلف ، وتخليداً للعلوم
والآداب ، وتذكيراً للحساب والمعاملات ، وإيصالا لأخبار الغائب ، وتبييناً لما فيه
صلاح الدين والدنيا من معرفة العقائد الشرعية والأحكام الإلهية ، وتعلّم الصنائع
والحرف ، وتركيب العقاقير والأدوية وأمثال ذلك .
فسبحان من ( علّم الإنسان ما لم يعلم ) ( 1 ) .
وعزّ وجلّ من ألهمه وضع اللغات ، ووهب لهم الآلات ، وفطنهم للكتابة ، ومَنّ
عليهم بالفهم والذكاء ، ثمّ حجب عنهم علم ما لا يطيقونه ، ومنعهم عن معرفة ما
ليس لهم فيه صلاح ، كعلم الغيب ، ومعرفة ما في الضمائر ، ومدّة العمر ، وما يجري
عليهم في مستقبل الدهر .
ثمّ دبّر الأمر بحكمته في الأحلام لمصالح كثيرة ، كرؤية الأموات وما يصادفها
أحياناً من استئناس الحبيب بحبيبه ، أو العلم بأُمور مستقبلة ، أو بما على الميّت من
هامش
( 1 ) العلق : 5 .