تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
شرح
غير ذلك من حِكمه تعالى في جميع صنائعه وأفعاله ، ولا سيّما في خِلقة البشر وأجزاء بدنه من قرنه إلى قدمه ، مع ما خصّهم به من امتياز بعضهم عن بعض في الهيئات والصور على كثرتهم وعدم تناهيهم ، مع اشتراك الكلّ في تلك الجوارح والأعضاء ، فجعلهم مختلفين في الأشكال ؛ حذراً من اختلاف معاملاتهم واشتباه محسنهم بمسيئهم ، وذلك بخلاف الوحش والطير وسائر أصناف البهائم الّتي لا يترتّب شيء من المحاذير على مشابهة بعضها لبعض . ثمّ إنّه جلّ وعلا بحكمته البالغة جعل النموّ في الكلّ طولا وعرضاً إلى حدّ معلوم مع استمرار طعامه وشرابه المقتضيين لنموّه مدّة حياته ؛ وذلك حذراً من عظم جسده المانع من شغله وتحصيل معيشته . ثمّ جعل بعض مواد معيشته مبذولا ؛ نظير الماء لكثرة الحاجة إليه غسلا وغُسلا وشرباً وتطهيراً وسقياً للزرع والدواب . وسخّر لهم أصناف البهائم على ما لها من القوّة والبأس ، وذلّلها لحوائجهم تغذية وحملا وزينة وزرعاً ، ومنع عنها العقل حتّى تخضع لهم ، ولم يمنع عنها السمع والبصر وحسّ الألم وشيئاً من الإدراك حتّى لا يبطل الانتفاع بها . وجعلها منحنية على قوائمها الأربع تسهيلا للحمل والركوب عليها ، بخلاف الطيور فإنّها لم تعدّ لذلك ( وإنَّ لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم ممّا في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون وعليها وعلى الفلك تحملون ) ( 1 ) . وألقى الخوف على السباع الضارية القوية شديدة البأس والنقمة ذوات المخالب والأنياب المفتّتة ، وملأها رعباً عن التعرّض لعمرانهم ، والتهاجم على مساكنهم ، حتّى صارت تحجم عنهم وتتستّر في أوكارها البعيدة عن العمران على ما هي عليه من الحاجة إلى القوت والتغذية بلحومهم ولحوم دوابهم وأنعامهم . ولو تعاونت عليهم لضاق بهم فسيح الأرض .
هامش
( 1 ) النحل : 66 .
نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 101 | السيد حسن الحسيني اللواساني / السيد ابراهيم اللواساني