شرح
غير ذلك من حِكمه تعالى في جميع صنائعه وأفعاله ، ولا سيّما في خِلقة البشر
وأجزاء بدنه من قرنه إلى قدمه ، مع ما خصّهم به من امتياز بعضهم عن بعض في
الهيئات والصور على كثرتهم وعدم تناهيهم ، مع اشتراك الكلّ في تلك الجوارح
والأعضاء ، فجعلهم مختلفين في الأشكال ؛ حذراً من اختلاف معاملاتهم واشتباه
محسنهم بمسيئهم ، وذلك بخلاف الوحش والطير وسائر أصناف البهائم الّتي
لا يترتّب شيء من المحاذير على مشابهة بعضها لبعض .
ثمّ إنّه جلّ وعلا بحكمته البالغة جعل النموّ في الكلّ طولا وعرضاً إلى حدّ
معلوم مع استمرار طعامه وشرابه المقتضيين لنموّه مدّة حياته ؛ وذلك حذراً من
عظم جسده المانع من شغله وتحصيل معيشته .
ثمّ جعل بعض مواد معيشته مبذولا ؛ نظير الماء لكثرة الحاجة إليه غسلا
وغُسلا وشرباً وتطهيراً وسقياً للزرع والدواب . وسخّر لهم أصناف البهائم على ما
لها من القوّة والبأس ، وذلّلها لحوائجهم تغذية وحملا وزينة وزرعاً ، ومنع عنها
العقل حتّى تخضع لهم ، ولم يمنع عنها السمع والبصر وحسّ الألم وشيئاً من
الإدراك حتّى لا يبطل الانتفاع بها . وجعلها منحنية على قوائمها الأربع تسهيلا
للحمل والركوب عليها ، بخلاف الطيور فإنّها لم تعدّ لذلك ( وإنَّ لكم في الأنعام
لعبرة نسقيكم ممّا في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون وعليها وعلى
الفلك تحملون ) ( 1 ) .
وألقى الخوف على السباع الضارية القوية شديدة البأس والنقمة ذوات
المخالب والأنياب المفتّتة ، وملأها رعباً عن التعرّض لعمرانهم ، والتهاجم على
مساكنهم ، حتّى صارت تحجم عنهم وتتستّر في أوكارها البعيدة عن العمران على
ما هي عليه من الحاجة إلى القوت والتغذية بلحومهم ولحوم دوابهم وأنعامهم . ولو
تعاونت عليهم لضاق بهم فسيح الأرض .
هامش
( 1 ) النحل : 66 .