تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
شرح
فسبحان من جعل البدن كدار للملك الكبير له ، فيها خدم وقوّامون موكّلون بحوائجه . فترى صنفاً منها لتحصيل حوائج المأكل والمشرب ، وهي الجوارح المهيئة لتناولها بعد تحصيلها حتّى توصلها لتلك الخدم . وصنفاً منها لاستلام الحاصل وتسليمه للخازن وهي الجاذبة . وصنفاً ثالثاً لحفظه وتقديمه شيئاً فشيئاً لرحى الطحن والهظم وهي الماسكة . وصنفاً رابعاً لعلاجه وطبخه وتوزيعه وهي الهاضمة . وصنفاً خامساً لإزالة الأقذار ، وهي الدافعة . ثمّ مَنّ سبحانه على البشر بأن ميّزه عن سائر أصناف الحيوان المشاركة له في تلك العضلات والقوى ، وخصّه بقوى أُخرى أودعها فيه ، وهي الفكر والوهم والعقل والحفظ والحياء والشجاعة والكرم والحلم وأمثالها من الصفات الموجبة لكماله ، أو الممدّة لعيشه وحياته ، كما جعل فيه شيئاً من أضداد تلك الصفات رحمةً له لحين حاجته إليها . أو توقّف نظام أمره ومعيشته عليها . فأودع فيه القوّة الذاكرة لأمر تجارته وماله أو ما عليه من الديون والحساب وما يصدر منه أو من غيره من الأقارير ، أو لاهتدائه إلى الطرق والأزقّة ، أو لتمييزه بين المحسن والمسيء إليه ، أو لحفظه العلوم والعقائد الدينية وغيرها ، أو لانتفاعه بتجربة ما شاهده أو لاعتباره الشيء بقياسه على ما مضى من أمره ، إلى غير ذلك من محسّنات الذكر . ثمّ جعل فيه ضدّ ذلك وهو النسيان ، وهو نعمة أُخرى ، حيث إنّه لولاه لما تسلّى عن مصيبة ، ولا انقضت عنه حسرة ، ولا مات له حقد ، ولا تهنّأ بلذّة ، ولا أمل من جائر غفلة ، ولا من حاسد فترة . وكذا أودع فيه الحياء الموجب غالباً لإقراء الضيف ، والوفاء بالوعد ، ورعاية الأرحام ، وقضاء الحوائج ، وأداء الأمانة ، والعفو عن الفاحشة ، وتحرّي الجميل ، والتنكّب عن القبيح .