شرح
فسبحان من جعل البدن كدار للملك الكبير له ، فيها خدم وقوّامون موكّلون
بحوائجه .
فترى صنفاً منها لتحصيل حوائج المأكل والمشرب ، وهي الجوارح المهيئة
لتناولها بعد تحصيلها حتّى توصلها لتلك الخدم .
وصنفاً منها لاستلام الحاصل وتسليمه للخازن وهي الجاذبة .
وصنفاً ثالثاً لحفظه وتقديمه شيئاً فشيئاً لرحى الطحن والهظم وهي الماسكة .
وصنفاً رابعاً لعلاجه وطبخه وتوزيعه وهي الهاضمة .
وصنفاً خامساً لإزالة الأقذار ، وهي الدافعة .
ثمّ مَنّ سبحانه على البشر بأن ميّزه عن سائر أصناف الحيوان المشاركة له في
تلك العضلات والقوى ، وخصّه بقوى أُخرى أودعها فيه ، وهي الفكر والوهم
والعقل والحفظ والحياء والشجاعة والكرم والحلم وأمثالها من الصفات الموجبة
لكماله ، أو الممدّة لعيشه وحياته ، كما جعل فيه شيئاً من أضداد تلك الصفات رحمةً
له لحين حاجته إليها . أو توقّف نظام أمره ومعيشته عليها .
فأودع فيه القوّة الذاكرة لأمر تجارته وماله أو ما عليه من الديون والحساب
وما يصدر منه أو من غيره من الأقارير ، أو لاهتدائه إلى الطرق والأزقّة ، أو لتمييزه
بين المحسن والمسيء إليه ، أو لحفظه العلوم والعقائد الدينية وغيرها ، أو لانتفاعه
بتجربة ما شاهده أو لاعتباره الشيء بقياسه على ما مضى من أمره ، إلى غير ذلك
من محسّنات الذكر .
ثمّ جعل فيه ضدّ ذلك وهو النسيان ، وهو نعمة أُخرى ، حيث إنّه لولاه لما
تسلّى عن مصيبة ، ولا انقضت عنه حسرة ، ولا مات له حقد ، ولا تهنّأ بلذّة ، ولا أمل
من جائر غفلة ، ولا من حاسد فترة .
وكذا أودع فيه الحياء الموجب غالباً لإقراء الضيف ، والوفاء بالوعد ، ورعاية
الأرحام ، وقضاء الحوائج ، وأداء الأمانة ، والعفو عن الفاحشة ، وتحرّي الجميل ،
والتنكّب عن القبيح .