تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧
شرح
هيئات الأكوان والبشر واختلاف صورها ، ولا يعرضه الخوف المعرض لهلاكه من رؤيتها . ولو كان عندئذ مدركاً عاقلا لوجد في نفسه غضاضة من جهة ضعفه عن القيام والمشي والحركة والكلام ، وحاجته إلى الحمل والرضاع وتعصّبه بالخرق وأمثال ذلك ممّا لا يستغنى عنه ؛ لرقّته ورطوبة بدنه . ولو كان حينئذ قادراً على السعي في أُموره ومستغنياً عن كلّ ذلك ؛ لفارق أبويه وأقاربه ولم يألفهم ، وفي ذلك من القبح والمفاسد ما لا يخفى . ثمّ جعل سبحانه وتعالى تلك المنافذ في أحسن هيئة وأنسب وجه ، فجعل داخل الأُذنين ملتوياً كهيئة الكوكب ؛ ليطرد فيه الصوت ، وينتهي إلى السمع ، ويُصان بذلك أيضاً عن حمية الريح المنكئ في السمع . وجعل الطواحن في الفم بعضها حداداً للقطع ، وبعضها عراضاً للمضغ . وجعل في فضائه عيوناً سائلة رشحاً ؛ لإساغة الطعام ، وصوناً للأسنان من الفساد إلى غير ذلك ممّا يعرفه أُولوا الألباب . ثمّ أودع فيه قوى بها قوامه ، بحيث لو تعطّلت واحدة منها لفسد بدنه . فمنها : القوّة الجاذبة للغذاء إلى المعدة ، فإنّه لولاها لأصابه الغصّ الموجب لهلاكه عند تناول الطعام والشراب . وربما يشاهد ذلك في المريض المشرف على الموت من جهة ذهاب تلك القوّة عنه . ومنها : القوّة الماسكة الّتي تحبس الطعام في المعدة إلى حين نضجه ؛ صوناً له من الجريان الشديد المفسد لبدنه . ومنها : القوّة الهاضمة الّتي تنضج ما في المعدة ، وتستخرج صفوه وتبثّه في أجزاء البدن بعد انقلابه بالقدرة الكاملة أصنافاً أربعاً : دماً ومنيّا وبلغماً وصفراء ، فتوزّع كلاّ منها في جميع الجوارح بقدر معلوم من غير زيادة ولا نقيصة موجبة للهلاك . ومنها : القوّة الدافعة المخرجة لثفل الطعام الّذي لا نفع فيه ، الموجب بقاؤها للفساد والدمار . ثمّ جعل على المجرى باباً يفتح بنفسه عند الحاجة إلى ذلك ، وينسدّ بنفسه أيضاً بعد قضائها .