شرح
هيئات الأكوان والبشر واختلاف صورها ، ولا يعرضه الخوف المعرض لهلاكه من
رؤيتها . ولو كان عندئذ مدركاً عاقلا لوجد في نفسه غضاضة من جهة ضعفه عن
القيام والمشي والحركة والكلام ، وحاجته إلى الحمل والرضاع وتعصّبه بالخرق
وأمثال ذلك ممّا لا يستغنى عنه ؛ لرقّته ورطوبة بدنه .
ولو كان حينئذ قادراً على السعي في أُموره ومستغنياً عن كلّ ذلك ؛ لفارق
أبويه وأقاربه ولم يألفهم ، وفي ذلك من القبح والمفاسد ما لا يخفى .
ثمّ جعل سبحانه وتعالى تلك المنافذ في أحسن هيئة وأنسب وجه ، فجعل
داخل الأُذنين ملتوياً كهيئة الكوكب ؛ ليطرد فيه الصوت ، وينتهي إلى السمع ،
ويُصان بذلك أيضاً عن حمية الريح المنكئ في السمع .
وجعل الطواحن في الفم بعضها حداداً للقطع ، وبعضها عراضاً للمضغ .
وجعل في فضائه عيوناً سائلة رشحاً ؛ لإساغة الطعام ، وصوناً للأسنان من
الفساد إلى غير ذلك ممّا يعرفه أُولوا الألباب .
ثمّ أودع فيه قوى بها قوامه ، بحيث لو تعطّلت واحدة منها لفسد بدنه .
فمنها : القوّة الجاذبة للغذاء إلى المعدة ، فإنّه لولاها لأصابه الغصّ الموجب
لهلاكه عند تناول الطعام والشراب . وربما يشاهد ذلك في المريض المشرف على
الموت من جهة ذهاب تلك القوّة عنه .
ومنها : القوّة الماسكة الّتي تحبس الطعام في المعدة إلى حين نضجه ؛ صوناً له
من الجريان الشديد المفسد لبدنه .
ومنها : القوّة الهاضمة الّتي تنضج ما في المعدة ، وتستخرج صفوه وتبثّه في
أجزاء البدن بعد انقلابه بالقدرة الكاملة أصنافاً أربعاً : دماً ومنيّا وبلغماً وصفراء ، فتوزّع
كلاّ منها في جميع الجوارح بقدر معلوم من غير زيادة ولا نقيصة موجبة للهلاك .
ومنها : القوّة الدافعة المخرجة لثفل الطعام الّذي لا نفع فيه ، الموجب بقاؤها
للفساد والدمار . ثمّ جعل على المجرى باباً يفتح بنفسه عند الحاجة إلى ذلك ،
وينسدّ بنفسه أيضاً بعد قضائها .