شرح
منتصباً قائماً ، ويستوي جالساً حتّى يستقبل الأشياء بيديه وجوارحه ، ويتمكّن
من العمل والعلاج بهما . ولو كان مكبوباً على وجهه كالبهائم ، لما أمكنه ذلك .
ثمّ تأمّل في تدبير الجوارح وكيفيّة تركيبها للإرب والحوائج ، فاليدان للعلاج ،
والرجلان للسعي ، والعينان للاهتداء ، وقد جعلتا في الرأس على نحو المصباحين
في أعلى المنارة ؛ ليتمكّن بهما من مطالعة الأشياء بلا مشقّة ، ولم يجعلهما في
اليدين أو الرجلين وسائر أسافل الأعضاء ؛ صوناً لهما عن آفات العمل ، وعن كثرة
الحركة المفسدة لهما . كما أنّه لو جعلتا في قفا الرأس عسر عليه تقلّبهما والنظر بهما .
وجعل الرأس في أسنى بلا فصل المواضع بمنزلة الصومعة للحواس الخمس ،
وهي : البصر والسمع والشمّ واللمس والطعم .
وجعل الفم للاغتذاء ، والمعدة للهضم ، والكبد للتخليص ، والمنافذ لتنفيذ
الفضول مع كونها أوعية لحملها ، فإنّ الطعام بعد نزوله في الجوف يصير إلى المعدة
فتطبخه وتبعث بصفوه إلى الكبد في عروق رقاق بينها أشجة جعلت كالمصفى
للغذاء ، كي لا يصل شيء من الطعام الخشن إلى الكبد ، حيث إنّه رقيق لا يحتمل
العنف ، ولو وصله شيء من ذلك لنكأه وأفسده .
ثمّ الكبد يقبل المصفى من الغذاء ، وينقلب ذلك فيه بلطف التدبير دماً أحمر
ينفذ إلى جميع أجزاء البدن في مجاري كمجاري المياه ، غير أنّ مجاري المياه
يجري فيها الخبيث والطيّب سواء .
ولكن المجاري المهيأة للدم توزّع ما يلقى إليها منه على أصناف أربعة . فما
كان من جنس المرّة الصفراء قذفته إلى المرارة ، وما كان منه من جنس المرّة
السوداء قذفته إلى الطحال ، وما كان منه من البلّة والرطوبة أجرته إلى المثانة ،
فيصير بولا يخرج من مجراه . وما كان منه من جنس المني أسكنه في الصلب .
ثمّ جعل البارئ عزّ شأنه الفؤاد معلّقاً في الصدر ، وكساه بمدرعة الغشاوة ،
وحصّنه بالجوانح وما عليها من اللحم والعصب حتّى لا يصل إليه ما ينكأ ، وجعل
فيه ثقباً موجّهة نحو الثقب الّتي في الرئة . وجعل الرئة المتبادل فيها الأهوية