تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
شرح
منتصباً قائماً ، ويستوي جالساً حتّى يستقبل الأشياء بيديه وجوارحه ، ويتمكّن من العمل والعلاج بهما . ولو كان مكبوباً على وجهه كالبهائم ، لما أمكنه ذلك . ثمّ تأمّل في تدبير الجوارح وكيفيّة تركيبها للإرب والحوائج ، فاليدان للعلاج ، والرجلان للسعي ، والعينان للاهتداء ، وقد جعلتا في الرأس على نحو المصباحين في أعلى المنارة ؛ ليتمكّن بهما من مطالعة الأشياء بلا مشقّة ، ولم يجعلهما في اليدين أو الرجلين وسائر أسافل الأعضاء ؛ صوناً لهما عن آفات العمل ، وعن كثرة الحركة المفسدة لهما . كما أنّه لو جعلتا في قفا الرأس عسر عليه تقلّبهما والنظر بهما . وجعل الرأس في أسنى بلا فصل المواضع بمنزلة الصومعة للحواس الخمس ، وهي : البصر والسمع والشمّ واللمس والطعم . وجعل الفم للاغتذاء ، والمعدة للهضم ، والكبد للتخليص ، والمنافذ لتنفيذ الفضول مع كونها أوعية لحملها ، فإنّ الطعام بعد نزوله في الجوف يصير إلى المعدة فتطبخه وتبعث بصفوه إلى الكبد في عروق رقاق بينها أشجة جعلت كالمصفى للغذاء ، كي لا يصل شيء من الطعام الخشن إلى الكبد ، حيث إنّه رقيق لا يحتمل العنف ، ولو وصله شيء من ذلك لنكأه وأفسده . ثمّ الكبد يقبل المصفى من الغذاء ، وينقلب ذلك فيه بلطف التدبير دماً أحمر ينفذ إلى جميع أجزاء البدن في مجاري كمجاري المياه ، غير أنّ مجاري المياه يجري فيها الخبيث والطيّب سواء . ولكن المجاري المهيأة للدم توزّع ما يلقى إليها منه على أصناف أربعة . فما كان من جنس المرّة الصفراء قذفته إلى المرارة ، وما كان منه من جنس المرّة السوداء قذفته إلى الطحال ، وما كان منه من البلّة والرطوبة أجرته إلى المثانة ، فيصير بولا يخرج من مجراه . وما كان منه من جنس المني أسكنه في الصلب . ثمّ جعل البارئ عزّ شأنه الفؤاد معلّقاً في الصدر ، وكساه بمدرعة الغشاوة ، وحصّنه بالجوانح وما عليها من اللحم والعصب حتّى لا يصل إليه ما ينكأ ، وجعل فيه ثقباً موجّهة نحو الثقب الّتي في الرئة . وجعل الرئة المتبادل فيها الأهوية
نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 94 | السيد حسن الحسيني اللواساني / السيد ابراهيم اللواساني