وهل يفيض العلم من لا علم له * أو يفعل القادر ما قد جهله
كيف وقد أبدع فيما صنعا * وحيّر العقول فيما أبدعا
فانظر إلى حسن انتظام ما انتظم * من صنعه وما حوى من الحكم
شرح
أوصاف الكمال له واجب .
وعليه فلا شبهة في إمكان معلوميته لمكان وجوده ؛ وإذ قد ثبت ذلك ثبت
أيضاً وجوب معلوميته ، وبذلك يتمّ المطلوب .
ثالثها : ما استقلّ به العقل وتصافقت عليه العقلاء من أنّ فاقد الشيء لا يمكن
أن يكون واهباً له . وعليه فربّنا الأعلى لو كان فاقداً للعلم - والعياذ بالله - كيف
وهب ذلك لعبيده الضعفاء الجهّال الّذين أخرجهم من بطون أُمّهاتهم لا يعلمون
شيئاً ولا يهتدون ، وجعل لهم السمع والأبصار والأفئدة ، وأودع فيهم بل وفي
غيرهم من الأنعام والوحوش أيضاً القوّة والإدراك والحسّ والشعور ، وركّب فيهم
آلات القبض والبسط ، وجعل فيهم الجوارح الظاهرية والجوانح الباطنية ، فهل
يمكن لفاقد العلم أن يتكرّم على مخلوقاته بتلك المواهب ؟ !
« وهل » يعقل أن « يفيض العلم » لهم « من لا علم له » ولا خبرة ؟ !
« أو » هل يجوز عقلا أن « يفعل القادر » الحكيم « ما قد جهله » ؟ !
كلاّ ، ثمّ كلاّ ، وقد قال تعالى : ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) ( 1 ) .
« كيف » لا « وقد أبدع فيما صنعا » من مخترعاته « وحيّر العقول » بهتاً وعجباً
« فيما أبدعا » من كائناته الّتي كوّنها في غاية الإتقان ، وأقصى مراتب الحسن
والجودة ، خالياً من شوائب النقص والعيب ، من غير سبق شبح لها ولا مثال ، ولا
التماس تروّ ولا خيال .
« فانظر » نظر تعمّق واعتبار « إلى حسن انتظام ما انتظم » في أرضه وسمائه ،
وفي سائر كائناته « من صنعه » الجميل في جميعها « وما حوى » كلّ منها « من
هامش
( 1 ) الملك : 14 .