تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
شرح
الحكم » والمصالح الكثيرة ، فإنّك إذا نظرت إلى العالم وجدته كالبيت المبني المعدّ فيه جميع حوائج العباد في أقطار الكون وآفاق البلاد ، وما يصلح شؤونهم ، فترى السماء مرفوعة كالسقف ، والأرض ممدودة كالبساط ، والنجوم منضودة بعضها فوق بعض كالمصابيح . ثمّ الجواهر مخزونة كالذخائر المعدّة . ثمّ ترى الإنسان كالملك في ذلك البيت والمالك لما فيه ، وترى أقسام النباتات مهيئة لمآربه ، وصنوف الحيوانات مصروفة في مصالحه . ثمّ تأمّل في أمر الجنين المحجوب في ظلمات ثلاث : ظلمة الرحم ، وظلمة البطن ، وظلمة المشيمة ، حيث لا حيلة له في طلب غذاء أو جلب نفع أو دفع أذى ، ولا تناله يد ولا تبصره عين ، كيف يجري إليه من دم الحيض ما يغذيه كما يغذي الماء النبات . وذلك بعد تركيب الجوارح والجوانح فيه بأحسن هيئة وأجمل تركيب . ولم يزل يتغذّى بدم الحيض وينمو بجميع أعضائه على شكل واحد وهيئة منتظمة ، حتّى إذا استحكم بدنه واحتمل مباشرة الهواء جلدهُ ، وقوي على ملاقاة الضياء بصرُه ، هاج الطلق بأُمّه فأزعجه إزعاجاً عنيفاً ، حتّى يولد وعندئذ يصرف ذلك الدم المالح الأحمر من الرحم إلى ثدي الأُمّ بعد انقلاب طعمه ولونه وصيرورته عذباً طاهراً ، فترى الثديين كالأداوتين المعلّقتين الممتلئتين لا يجري منهما شيء إلاّ عند رغبة الولد ومصّه لهما ، مع كونهما منكوسين مفتوحي المجرى . ثمّ ترى الولد حين ولادته كيف يتلمّظ ويحرّك شفتيه طلباً للرضاع ، فيجدهما مهيئين لطعامه وشرابه ، فلم يزل يتغذّى بلبنهما ما دام رطب البدن رقيق الأمعاء ، لين الأعضاء ، حتّى إذا احتاج إلى غذاء فيه صلابة كي يقوّي بدنه ، وتشتدّ أعضاؤه ، طلعت له الأسنان من الطواحن والأضراس لمضغ الطعام وتليينه وسهولة إساغته . ثمّ إذا أدرك وكان ذكراً طلع الشعر في وجهه بياناً لذكوريته ، وإعلاماً لخروجه من حدّ الصبا ، وحذراً من تشبّهه بالنساء . وإذا كان أُنثى بقي وجهها نقياً من الشعر للبهجة والنضارة الموجبة لرغبة الذكور فيها وتحريكه ؛ لما فيه دوام النسل . ثمّ انظر إلى ما خصّه الله تعالى به في خلقه تشريفاً له على البهائم بأن جعله