شرح
الحكم » والمصالح الكثيرة ، فإنّك إذا نظرت إلى العالم وجدته كالبيت المبني المعدّ
فيه جميع حوائج العباد في أقطار الكون وآفاق البلاد ، وما يصلح شؤونهم ، فترى
السماء مرفوعة كالسقف ، والأرض ممدودة كالبساط ، والنجوم منضودة بعضها
فوق بعض كالمصابيح . ثمّ الجواهر مخزونة كالذخائر المعدّة .
ثمّ ترى الإنسان كالملك في ذلك البيت والمالك لما فيه ، وترى أقسام
النباتات مهيئة لمآربه ، وصنوف الحيوانات مصروفة في مصالحه .
ثمّ تأمّل في أمر الجنين المحجوب في ظلمات ثلاث : ظلمة الرحم ، وظلمة
البطن ، وظلمة المشيمة ، حيث لا حيلة له في طلب غذاء أو جلب نفع أو دفع أذى ،
ولا تناله يد ولا تبصره عين ، كيف يجري إليه من دم الحيض ما يغذيه كما يغذي
الماء النبات . وذلك بعد تركيب الجوارح والجوانح فيه بأحسن هيئة وأجمل تركيب .
ولم يزل يتغذّى بدم الحيض وينمو بجميع أعضائه على شكل واحد وهيئة
منتظمة ، حتّى إذا استحكم بدنه واحتمل مباشرة الهواء جلدهُ ، وقوي على ملاقاة
الضياء بصرُه ، هاج الطلق بأُمّه فأزعجه إزعاجاً عنيفاً ، حتّى يولد وعندئذ يصرف
ذلك الدم المالح الأحمر من الرحم إلى ثدي الأُمّ بعد انقلاب طعمه ولونه
وصيرورته عذباً طاهراً ، فترى الثديين كالأداوتين المعلّقتين الممتلئتين لا يجري
منهما شيء إلاّ عند رغبة الولد ومصّه لهما ، مع كونهما منكوسين مفتوحي المجرى .
ثمّ ترى الولد حين ولادته كيف يتلمّظ ويحرّك شفتيه طلباً للرضاع ، فيجدهما
مهيئين لطعامه وشرابه ، فلم يزل يتغذّى بلبنهما ما دام رطب البدن رقيق الأمعاء ،
لين الأعضاء ، حتّى إذا احتاج إلى غذاء فيه صلابة كي يقوّي بدنه ، وتشتدّ أعضاؤه ،
طلعت له الأسنان من الطواحن والأضراس لمضغ الطعام وتليينه وسهولة إساغته .
ثمّ إذا أدرك وكان ذكراً طلع الشعر في وجهه بياناً لذكوريته ، وإعلاماً لخروجه
من حدّ الصبا ، وحذراً من تشبّهه بالنساء . وإذا كان أُنثى بقي وجهها نقياً من الشعر
للبهجة والنضارة الموجبة لرغبة الذكور فيها وتحريكه ؛ لما فيه دوام النسل .
ثمّ انظر إلى ما خصّه الله تعالى به في خلقه تشريفاً له على البهائم بأن جعله