ولا تغيب ذاته عن ذاته * وباعتبار عُدّ من صفاته
شرح
وعليه « فلم يغب » ولا يعزب « عنه جميع ما إليه ينتسب » من وجود
الموجودات المعلولة له .
ثمّ لا يذهب عليك أنّ التغاير بين العالم والمعلوم وإن كان ممّا لابدّ منه ، ولكنّه
يكفي في ذلك التغاير في المفهوم ، وذلك أمر اعتباري غير مُناف لوحدتهما حقيقة
وعيناً ، فهو جلّ وعلا على وحدته الحقيقيّة وبساطته الواقعية يصدق عليه كلّ من
العالم والمعلوم مع ما بين الوصفين من التغاير في المفهوم ، فهو تعالى باعتبار كونه
عالماً مغاير لاعتبار كونه معلوماً على سبيل تغاير المترادفين مفهوماً ، مع ما بينهما
من العينية والوحدة الواقعية في الماهيّة .
وعليه فلا تنتقض وحدته بانطباق الوصفين عليه .
« ولا » يلزم من ذلك أن « تغيب ذاته عن ذاته » كما توهّمه بعض الفلاسفة ،
وبذلك أنكروا علمه تعالى بذاته المقدّسة .
« و » قد عرفت أنّ كلاّ من الأمرين « باعتبار » انتزاعه له سبحانه « عدّ من
صفاته » ولك أن تقول : إنّه بعد وضوح كون الوصفين متضايفين متلازمين في
التحقّق والثبوت ، فلا جرم فعلية أحدهما تلازم فعلية صاحبه كما في الأُبوّة والبنوّة
والزوجية وأمثالها . وحيث إنّه تعالى كان في الأزل عالماً قبل إيجاده الكائنات
ولم يكن حينئذ شيء موجوداً معلوماً له سوى ذاته العليا ، فلا محيص عن القول
بكونه معلوماً أيضاً على سبيل كونه عالماً تثبيتاً لوصف عالميته .
وقد أفاد بعض أهل الفنّ في ذلك وجهاً آخر بقضية مؤلّفة من صغرى وكبرى ،
وهي أنّه بعد التسالم على وجوده تعالى ، وبعد وضوح أمرين آخرين مع التسالم
عليهما أيضاً ، أحدهما : أنّ كلّ موجود يصحّ بالضرورة أن يكون معلوماً ولو بوجه
ما ، وثانيهما : أنّ الذات المقدّسة ليس فيها جهة إمكان أصلا ، وأنّ كلّ ما جاز له
وجب ثبوته فيه ؛ وذلك لأنّه لا يجوز له إلاّ ما هو صفة الكمال ، وثبوت جميع