وهو مجرّد بذاته فلا * يعقل منه الجهل جلّ وعلا
وعالم بذاته فلم يغب * عنه جميع ما إليه ينتسب
شرح
وإن شئت مزيد توضيح لما ذكر فتأمّل في صفة القدرة المشابهة للعلم ، حيث
إنّ اختلاف أنواع المقدور لا يوجب الاختلاف أو التعدّد في نفس القدرة
بالضرورة ، ولا نظنّ مناقشة الخصم في ذلك .
ثمّ إنّ الدليل القطعي على علمه المطلق مضافاً إلى ما عرفت من وجوب
وجوده الموجب لاجتماع جميع الكمالات فيه تعالى هو أُمور :
أحدها : العلم القطعي والتسالم على أنّه تعالى بسيط بحت « وهو مجرّد
بذاته » المقدّسة ، ومنزّه ساحة قدسه عن شوائب المادّيات والتركّب ، وليس له حدّ
ولا جهة على ما تقدّمت الإشارة إلى دليله من أنّه الغني المطلق ، وأنّ التركّب
يستلزم الحاجة على ما سيأتي بيانه عند بيان الصفات السلبية إن شاء الله ، وتعالى
ربّنا عن ذلك كلّه ، فهو جلّ وعلا وجود محض ونور صرف ، وأنّ الحاجب عن
الانكشاف هو التعلّق بالحدود والمادّيات الّتي هي مثار الظلمة .
« فلا » جرم لا « يعقل » أن يحجب عنه شيء ، ولا يتصوّر « منه الجهل »
بشيء ، فإنّ الجهل ظلمة وعدم صرف ، وضدّ للنور والوجود ، فهو سبحانه « جلّ
وعلا » تعالى عن كلّ ما يضادّ وجوده الأعلى وينافر ذاته المقدّسة ، واستحالة
اجتماع الضدّين من البديهيات .
ثانيها : أنّه بعد وضوح كون العلم عبارة عن حضور المعلوم عند العالم إمّا بعينه
وحقيقته ، وإمّا بصورته المنعكسة على ما تقدّم بيانه ، ووضوح كونه تعالى علّة
فاعلة لوجود الكائنات بإرادته المقدّسة ، ووضوح استحالة جهله بنفسه وغيبة ذاته
عن ذاته ، فلا محيص عن القول بأنّه جلّ وعلا خبير بنفسه « وعالم بذاته » العليا
وعندئذ لابدّ من القول بعلمه تعالى بجميع معلولاته المتفرّعة منه ، فإنّ العلم بالعلّة
يلازم العلم بالمعلول بالضرورة قولا واحداً .