تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠
وهو مجرّد بذاته فلا * يعقل منه الجهل جلّ وعلا وعالم بذاته فلم يغب * عنه جميع ما إليه ينتسب
شرح
وإن شئت مزيد توضيح لما ذكر فتأمّل في صفة القدرة المشابهة للعلم ، حيث إنّ اختلاف أنواع المقدور لا يوجب الاختلاف أو التعدّد في نفس القدرة بالضرورة ، ولا نظنّ مناقشة الخصم في ذلك . ثمّ إنّ الدليل القطعي على علمه المطلق مضافاً إلى ما عرفت من وجوب وجوده الموجب لاجتماع جميع الكمالات فيه تعالى هو أُمور : أحدها : العلم القطعي والتسالم على أنّه تعالى بسيط بحت « وهو مجرّد بذاته » المقدّسة ، ومنزّه ساحة قدسه عن شوائب المادّيات والتركّب ، وليس له حدّ ولا جهة على ما تقدّمت الإشارة إلى دليله من أنّه الغني المطلق ، وأنّ التركّب يستلزم الحاجة على ما سيأتي بيانه عند بيان الصفات السلبية إن شاء الله ، وتعالى ربّنا عن ذلك كلّه ، فهو جلّ وعلا وجود محض ونور صرف ، وأنّ الحاجب عن الانكشاف هو التعلّق بالحدود والمادّيات الّتي هي مثار الظلمة . « فلا » جرم لا « يعقل » أن يحجب عنه شيء ، ولا يتصوّر « منه الجهل » بشيء ، فإنّ الجهل ظلمة وعدم صرف ، وضدّ للنور والوجود ، فهو سبحانه « جلّ وعلا » تعالى عن كلّ ما يضادّ وجوده الأعلى وينافر ذاته المقدّسة ، واستحالة اجتماع الضدّين من البديهيات . ثانيها : أنّه بعد وضوح كون العلم عبارة عن حضور المعلوم عند العالم إمّا بعينه وحقيقته ، وإمّا بصورته المنعكسة على ما تقدّم بيانه ، ووضوح كونه تعالى علّة فاعلة لوجود الكائنات بإرادته المقدّسة ، ووضوح استحالة جهله بنفسه وغيبة ذاته عن ذاته ، فلا محيص عن القول بأنّه جلّ وعلا خبير بنفسه « وعالم بذاته » العليا وعندئذ لابدّ من القول بعلمه تعالى بجميع معلولاته المتفرّعة منه ، فإنّ العلم بالعلّة يلازم العلم بالمعلول بالضرورة قولا واحداً .