وكان علمه به حضوره * منكشفاً دون ارتسام الصورة
يعلم ما يغيض في الأرحام * وما يدبّ في دجى الظلام
وما يخطّ قلم الخواطر * فيها وما يهجس في الضمائر
شرح
الذهن المستلزم للتركّب ، بل إنّ ذلك يستلزم عدم علمه تعالى بحقائق الأشياء
وذواتها الخارجية ، حيث إنّ المعلوم لديه على الفرض لم يكن إلاّ صورها
المنعكسة ، بل ذلك يستلزم أيضاً حاجة علمه تعالى إلى وجوداتها ، واستغناء
وجود الكائنات عن علمه المتّحد مع ذاته المقدّسة ، وتعالى ربّنا عن كلّ ذلك .
ولذلك تصافق أهل الحقّ على أنّ جميع ما في الأكوان بذواتها وحقائقها وأعيانها
موجودة لديه ، محتاجة إليه بأشدّ من حاجة الصورة المنعكسة إلى ذي الصورة .
« و » اتّفق الكلّ على أنّه « كان علمه به حضوره » لديه تعالى « منكشفاً » عنده
على سبيل انكشاف الصور لدى النفس « دون ارتسام الصورة » وأنّه تعالى بهذا
المعنى « يعلم ما يغيض » أي يقلّ وينقص « في الأرحام » مأخوذ من قوله تعالى :
( الله يعلم ما تحمل كلُّ أُنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد ) ( 1 ) وظاهر المعنى أنّه
تعالى يعلم المحمول في الرحم نقصاً وتماماً من حيث الجوارح والجوانح ، أو من
حيث بلوغه وعدم بلوغه أقصى المدّة ، أو من حيث الانفراد والتعدّد .
« و » يعلم أيضاً « ما يدبّ » أي يسير من غير ما يحسّ به أحد « في دجى
الظلام » والدجى جمع دجية ، وهي الظلمة . وإضافته إلى ما يرادفه للتأكيد ( 2 ) .
وما يدبّ يعم كلّ متحرّك في السماء والأرض ، مأخوذ من قوله تعالى : ( وما
من دابّة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه ) ( 3 ) فإنّ كلّ ذلك منكشف لديه تعالى ،
وهو جلّ وعلا عالم بجميعها وبما هو أدقّ منها .
« و » هو « ما يخطّ » ويكتبه « قلم الخواطر » في النفوس مستقرّاً « فيها » من
هامش
( 1 ) الرعد : 8 .
( 2 ) انظر القاموس المحيط 4 : 328 ، ولسان العرب 4 : 296 .
( 3 ) الأنعام : 38 .