شرح
نعم إنّه تعالى لا يصدر منه شرّ ولا قبيح مع كمال قدرته على كلّ منهما ؛ لمنافاة
كلّ ذلك لكماله وحسن ذاته المقدّسة ، وهو لا يريد شيئاً ممّا يستقبحه العقل ،
ولا تلازم بين قدرته وإرادته .
وأمّا شبهة اجتماع النقيضين عند اختلاف الإرادتين فواضحة الفساد ؛ لوضوح
أنّ لله تعالى إرادتين : إرادة تكوينية ، وإرادة تشريعية .
فالأُولى منهما : هي الإرادة القاهرة الحتمية الّتي لا تغلبها إرادات العبيد ،
ولا يعارضها ولا يقهرها شيء ولم يشترط فيها المشيئة لأحد من عبيده .
وذلك كإنزاله الأمطار ، وإيجاده الأكوان ، وفي مثلها كيف يعقل التعارض
واجتماع النقيضين .
وأمّا الثانية : فهي في الحقيقة عبارة عن رغبته تعالى في عمل العبد وطاعته ،
ولذلك أمره به أمراً تشريعيّاً ، وأوكل الفعل وجوداً وعدماً - طاعة كانت أو معصية -
إلى إرادته واختياره ؛ ليميّز الخبيث من الطيّب ، ولم تتعلّق مشيئته القاهرة
ولا إرادته الحتميّة بشيء من عمل العبد فعلا وتركاً ، ولم يجبره على شيء من
الأمرين ، خلافاً لأهل الجبر على ما سيأتيك بيانه ودفعه إن شاء الله تعالى .
وعليه فمتى يكون التعارض بين الإرادتين أو اجتماع النقيضين ؟ !
ثمّ إنّ البلخي من الجمهور زاد بنهيقه في الطنبور نغمة ، وقال : إنّه تعالى غير
قادر على مثل مقدور العبد ، حيث إنّ مقدور العبد لا يخلو من كونه طاعة أو معصية
أو عبثاً ، ولا يجوز صدور شيء منها من الربّ تعالى ، أمّا الأوّلان : فلعدم وجود
آمر عليه فوقه كي يُنسب إلى فعله الطاعة أو المعصية لمن فوقه ، وأمّا الثالث : فلما
فيه من القبح ، وهو سبحانه منزّه عن كلّ قبيح وعبث ، وعليه فهو تعالى غير قادر
على شيء منها ، مع أنّ جميعها مقدور للعبد .
والجواب : أنّ عناوين الطاعة والمعصية واللغوية ليست إلاّ عناوين اعتباريّة ،
وأنّ عدم اتّصاف أفعاله تعالى بشيء منها - لعدم وجود آمر فوقه ، أو عدم صدور
عبث منه سبحانه من جهة حكمته وتنزّهه عن القبائح - لا ينافي قدرته على نفس