تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
شرح
نعم إنّه تعالى لا يصدر منه شرّ ولا قبيح مع كمال قدرته على كلّ منهما ؛ لمنافاة كلّ ذلك لكماله وحسن ذاته المقدّسة ، وهو لا يريد شيئاً ممّا يستقبحه العقل ، ولا تلازم بين قدرته وإرادته . وأمّا شبهة اجتماع النقيضين عند اختلاف الإرادتين فواضحة الفساد ؛ لوضوح أنّ لله تعالى إرادتين : إرادة تكوينية ، وإرادة تشريعية . فالأُولى منهما : هي الإرادة القاهرة الحتمية الّتي لا تغلبها إرادات العبيد ، ولا يعارضها ولا يقهرها شيء ولم يشترط فيها المشيئة لأحد من عبيده . وذلك كإنزاله الأمطار ، وإيجاده الأكوان ، وفي مثلها كيف يعقل التعارض واجتماع النقيضين . وأمّا الثانية : فهي في الحقيقة عبارة عن رغبته تعالى في عمل العبد وطاعته ، ولذلك أمره به أمراً تشريعيّاً ، وأوكل الفعل وجوداً وعدماً - طاعة كانت أو معصية - إلى إرادته واختياره ؛ ليميّز الخبيث من الطيّب ، ولم تتعلّق مشيئته القاهرة ولا إرادته الحتميّة بشيء من عمل العبد فعلا وتركاً ، ولم يجبره على شيء من الأمرين ، خلافاً لأهل الجبر على ما سيأتيك بيانه ودفعه إن شاء الله تعالى . وعليه فمتى يكون التعارض بين الإرادتين أو اجتماع النقيضين ؟ ! ثمّ إنّ البلخي من الجمهور زاد بنهيقه في الطنبور نغمة ، وقال : إنّه تعالى غير قادر على مثل مقدور العبد ، حيث إنّ مقدور العبد لا يخلو من كونه طاعة أو معصية أو عبثاً ، ولا يجوز صدور شيء منها من الربّ تعالى ، أمّا الأوّلان : فلعدم وجود آمر عليه فوقه كي يُنسب إلى فعله الطاعة أو المعصية لمن فوقه ، وأمّا الثالث : فلما فيه من القبح ، وهو سبحانه منزّه عن كلّ قبيح وعبث ، وعليه فهو تعالى غير قادر على شيء منها ، مع أنّ جميعها مقدور للعبد . والجواب : أنّ عناوين الطاعة والمعصية واللغوية ليست إلاّ عناوين اعتباريّة ، وأنّ عدم اتّصاف أفعاله تعالى بشيء منها - لعدم وجود آمر فوقه ، أو عدم صدور عبث منه سبحانه من جهة حكمته وتنزّهه عن القبائح - لا ينافي قدرته على نفس