فهو تجلّى نوره مختار * ينشئ بالقدرة ما يختار
ومن حدوث الممكنات قدرته * جلت ومن خاصم تاهت فطرته
إذ مقتضى انتفائها الإيجاب * ومقتضى الإيجاب الانقلاب
شرح
المفسّرة بقوّة القلب المستلزمة للتركب البعيد عنه تعالى ، أو السخاء المفسّر بالبذل
مع الحاجة الّتي يجلّ الباري تعالى عنها وأمثالهما .
ثمّ إنّ من الواضح أنّ من جملة صفات الكمال هي صفة الاختيار « فهو تجلّى
نوره » وعظم شأنه لا شبهة في أنّه « مختار » في أفعاله ، ليس بموجب ولا مضطرّ
في شيء من آثاره وصنائعه .
وأنّه سبحانه « يُنشئ بالقدرة » الكاملة « ما يختار » لعباده من مصالحهم ،
خلافاً لبعض الملاحدة من الفلاسفة في قولهم باضطراره تعالى في وقوع الحوادث
المختلفة في الكون ، ودعواهم أنّه لم يصدر منه جلّ وعلا إلاّ العقل الأوّل ؛ احتجاجاً
بأنّ الواحد البحت البسيط لا يصدر منه إلاّ الواحد ، وأنّه لا يمكن تعدّد أثره .
ولكنّك خبير : بأنّ ذلك على تقدير تسليمه إنّما يتمّ في المؤثّر المضطرّ في
ترتّب أثره عليه ، نظير النار والحرارة مثلا حيث إنّها بذاتها علّة لوجود أثرها ، ولا
يمكن اختلاف الأثر مع وحدة الذات .
وأمّا في القادر المختار المنبعث فعله من إرادته وقدرته على طرفي الوجود
والعدم كليهما لامن نفس ذاته وحدها فلا ، ولا موقع للتوهّم المذكور كما هو واضح .
ثمّ إنّ البرهان الساطع « و » الدليل القطعي على ثبوت الاختيار له تعالى ما
يشاهد وجداناً « من حدوث الممكنات » فإنّه بذلك ظهرت « قدرته » الكاملة ،
و « جلت » إرادته التامّة واختياره المطلق جلاءً واضحاً .
« ومن خاصم » في ذلك وجادل بالباطل « تاهت فطرته » وضاع وجدانه « إذ
مقتضى » سلب القدرة و « انتفائها » عنه ثبوت « الإيجاب » له بعد التسالم على
كون الوصفين ضدّين لا ثالث لهما « و » حينئذ فلا محيص عن الالتزام بما هو
« مقتضى الإيجاب » وهو « الانقلاب » المستحيل عقلا .