ومَن نفى حدوث ما يُشاهد * حدوثه فخابط أو جاحد
وهل ترى مسلوب الاختيار * يملك خلق الفاعل المختار
شرح
لا محيص من انتهاء كلّ تلك الأسباب « لواجب الوجود » وعود المحذور ، وكلّ
ذلك بمكان من الوضوح ؛ لوضوح حدوث الكائنات « ومن نفى حدوث ما
يُشاهد » عياناً « حدوثه » وتبدله من أحوال الكائنات العلوية والسفلية كالطبيعي
والدهري « فخابط » معتوه « أو جاحد » ملعون غير ذي وجدان .
« وهل ترى مسلوب الاختيار » والموجب المضطرّ في الآثار أن « يملك
خلق » العبد « الفاعل المختار » ؟ ! أو هل يمكن أن يكون فاقد الشيء واهباً له ؟ !
أو هل يمكن إنكار الاختيار في العبد المخلوق بيد قدرته تعالى ؟ ! أو هل
يعقل كون الممكن المحتاج واجداً للاختيار الّذي هو من أعلى مراتب الكمال
وكون الواجب الغني على الإطلاق فاقداً له ؟ ! هيهات ثمّ هيهات .
وبذلك كلّه يتّضح لك فساد مذاهب أهل الضلال ، وهم : بين قائل بأنّه تعالى
غير قادر على الشرّ ، وأنّه لا يصدر منه إلاّ الخير ولا يقدر على غيره ، وأنّ الشرّ من
الشيطان ، والقائل بذلك هم المجوس .
وبين قائل بأنّ الخير من النور والشرّ من الظلمة ، وهم الثنويّة .
وبين قائل بأنّه تعالى غير قادر على القبيح ، والقائل به النظّام وأتباعه من الجمهور .
وبين قائل بأنّه سبحانه غير قادر على مقدور العبد ، والقائل به الجبائيون ؛
احتجاجاً بأنّه لو كان الفعل مقدوراً لكلٍّ منهما لزم اجتماع النقيضين عند
اختلافهما في الإرادة ، إلى غير ذلك من المذاهب الفاسدة .
ولكن الحقّ ما عرفت من كونه تعالى متّصفاً بأعلى مراتب القدرة والاختيار ،
وسائر أوصاف العزّ والكمال ، وقد صرّح الكتاب الكريم بذلك في آيات عديدة ،
نحو قوله جلّ وعلا : ( إنّ الله على كلّ شيء قدير ) ( 1 ) .
هامش
( 1 ) النور : 45 .